أطفال (عشيرة القيران) يسمونه (شيخدّرى)، لعدم وجود أداة التعريف (الـ) في اللغة الكرمانجية، بل لاحقة تُضاف إلى نهاية الكلمة، وكذلك لسهولة النطق. وسُمّيت قرية (سيباى ـ مجمّع الجزيرة) باسمه، وهي (سيباية شيخ خدر)، و(سيباية) تعني بئرًا ارتوازيًا، وتُسمّى أيضًا (سيبا شيخدرى) بلهجتنا الكرمانجية الدارجة، وهي أخف على اللسان. ويرجع سبب تسمية المجمّع باسمه إلى وجود قرية (سيباى) القديمة فيها، التي يسكنها عدد من أبناء (الشيخ خدر) وأحفاده وأبناء أحفاده.
يحكى في أمسيات دواوين (عشيرة القيران)، التي تضاهي في عدد أفرادها قبيلة (بني هلال) يوم تغريبهم، أن والد (الشيخ خدر)، وهو (الشيخ عطو الأول)، قدم إلى (حوض جبل شنكال) بسبب خلاف عشائري، ثم استقر في (قرية الإسكينية)، موطن (عشيرة القيران) الكبيرة والمشهورة. و(الشيخ عطو) من سلالة (الشيخ فخر الدين)، وهم الشيوخ الذين يكون منهم الرئيس الروحي لعموم الأيزيدية، الـ(بابا شيخ)، عادة. وكانت الدواوين في ذلك الزمن تحفظ ما لا تحفظه الدفاتر؛ فالشيخ يجلس، والرجال حوله، والحكاية تمشي من فم إلى فم حتى تصبح جزءًا من نسب العائلة.
ولد (شيخ خدر) عام 1909، وأصبح وحيد والديه بعد أن قُتل شقيقه في حادث إطلاق نار غير مقصود. ثم أصبح محط اهتمام العشيرة ليكون جزءًا منها، بل ليقودها لاحقًا ويصبح رئيسها الأوحد، لما اتصفت به شخصيته من صفات قيادية بارزة. وكان آخر (رئيس عشيرة للقيرانيين)، فبعد رحيله دبّ الانشقاق والتفرقة، وانشطرت العشيرة إلى أفخاذ عدة، يقود كلًّا منها ما يسمى بالمختار، ولاحقًا بات يسمى بشيخ العشيرة، وإلى يوم الناس هذا. وكأن الرجل حين رحل أخذ معه العصا التي كانت تجمع الظلال تحت سقف واحد، فبقيت الظلال، لكن كل ظل صار يبحث عن جدار خاص به.
بعد أن تجمّع حوله رجال (عشيرة القيران) وعلا نجمه، غار من نجاحه بعض شيوخ (العشائر الشنكالية)، فدبّروا له مكيدة عند الإنكليز المحتلين وقتها. وبين ليلة وضحاها أصبح مطاردًا من قبلهم. تبرع أحدهم، خبثًا وحسدًا، وزوّد الحكومة بقائمة من الأكاذيب. وللتنكيل بالعشيرة التي آوته وأكرمته وباتت تتبعه شيخًا ورئيسًا لها، قُصفت (قرية الإسكينية) بطائرة إنكليزية في حادثة مشهورة ومعروفة. وبعد أن اتهمه الإنكليز، ترددت العشائر، المتمثلة برؤسائها، في إيوائه خوفًا على سلامة رجالها من بطش الحكومة، فذهب إلى عرب الجزيرة ليقضي هناك أوقاتًا عصيبة بعيدًا عن الأهل والأصدقاء والعشيرة. كان عليه أن يختار بين أن يكون بعيدًا عن أهله أو أن يجعل أهله بعيدين عن الخطر؛ فاختار المنفى.
وفي تلك الأيام، كانت الصحراء أوسع من الخوف، والليل أطول من الطريق، وكان الرجل المطارد يعرف أن وراء كل تل عينًا، ووراء كل عين حكاية، ووراء كل حكاية رجلًا قد يخونه. ومع ذلك ظل الشيخ خدر يمشي، كأن الطريق يعرف اسمه ولا يجرؤ على منعه من العبور.
كان (الشيخ خدر) صيادًا ماهرًا، والصيد هوايته المفضلة في البراري، وهذا هو الوقت المناسب لممارسة هذه الهواية. وفي يوم من الأيام، كان خارجًا للصيد، فرأى قافلة قادمة من الشام، وبطريقة ما استولى عليها، وكانت محمّلة بالكثير من الزبيب والتمر والدقيق. ولا يخفى أن السلب والنهب وسرقة الأغنياء والاستيلاء على القوافل وقطعان الماشية كانت من علامات الشجاعة والرجولة آنذاك. وبعد أن وثق بحدسه الذي لم يخذله يومًا، وتيقن أن أهله بحاجة إلى هذا الطعام، أخذ الغنيمة إلى قرية (الإسكينية)، ورجع ثانية إلى أحضان عشيرته التي نبذته لأسباب خارجة عن إرادتها. فالتفّ حوله الجائعون، وكان هذا حال أغلب الأيزيدية آنذاك. وبمرور الأيام علمت الحكومة بقدومه، وفي غفلة من الجميع أُلقي القبض عليه هذه المرة واحتُجز، ثم أُخذ إلى مدينة الموصل مخفورًا، ولكنه تمكن من الفرار ثانية على ظهر حصانه المشهور (حيزا)، عندما جلبه له (عليّ شرو)، وهو أحد أتباعه المخلصين. وهذه المرة اجتاز الجزيرة وعبر إلى الأراضي السورية.
وبذكر حصان (الشيخ خدر)، هناك نبتة برية تسمى (السوسيج) باللهجة العربية الدارجة في أطراف (شنكال)، وبالكرمانجية نسميها (بيفوك) (PEVOK)، وهي من الفصيلة البصلية. يؤكل رأسها الذي ينبت في الأرض نيئًا أو مطبوخًا بعد أن يُنزع عنه القشر الشبكي الأحمر. والرأس أكبر من حبة الحمص عادة، ولونه أبيض، أما ساق النبتة فتتفرع منها عدة أوراق طويلة خضراء، يتوسطها خط أبيض، ومغلفة بقشر رقيق. تسحب الأوراق بهدوء وروية من قبل الفتيان الذين يلتقطون النبتة خلال رعيهم للخراف في فصل الربيع، ويرددون ويتساءلون في أثناء ذلك بصوت مسموع:
“حصان شيخ خدر ذكر أم أنثى؟”. وتُكرر المقولة إلى أن يتم سحب الوريقات.
فإن كان عدد الأوراق المنسلة من قشرة النبتة عددًا فرديًا، يصرخون قائلين:
“ذكر… إنه ذكر… حصان شيخ خدرى ذكر”، والعكس بالعكس.
وهكذا دخل حصان الشيخ خدر حتى في ألعاب الأطفال، وصارت نبتة صغيرة تنبت في الأرض تحمل في أوراقها سؤالًا عن حصان هرب منذ زمن بعيد.
كان (الشيخ خدر) حكيمًا وكريمًا وشجاعًا، فقد نشب مرة خلاف بسيط بينه وبين بعض رجال العشيرة، وهم، أي عشيرة القيران، معروفون بعصبيتهم. فابتكر طريقة طريفة ليتصالح معهم، حيث دعاهم إلى وليمة من المفترض أنها لرجالات وضباط الإنكليز والحكومة في قضاء شنكال. وبعد أن اجتمع القوم وحان وقت الغداء، وانتظروا، وطبعا لم يحضر أحد من الإنكليز أو من الحكومة المحلية، خاطب الجالسين قائلًا:
“فلنأكل نحن، فمن يدري؟ ربما الحكومة مشغولة بأمر أهم من الطعام، وسيأتون في يوم آخر”. ففهم الناس أنه، من طيبة قلبه وحكمته، افتعل ذلك ليصالحهم.
ولعل أجمل ما في الرجل أنه عرف أن بعض الخصومات لا تحتاج إلى محكمة، ولا إلى بندقية، ولا إلى شيخ ثالث يجلس بين المتخاصمين؛ تحتاج فقط إلى وليمة لا يأتي إليها أحد سوى الذين يريدون أن يتصالحوا. وحين يبرد الطعام قليلًا، تبرد معه الخصومة.
تزوج (شيخ خدر) أربع نساء، وأصبح له من زيجاته ثمانية أولاد، وكذلك له ست بنات، وعدد من الأحفاد وأبناء الأحفاد، بل أحفاد الأحفاد، وهم الآن منتشرون في العراق وأوروبا.
أورث أبناءه وأحفاده صفاته النبيلة، ولو عاشرت بعض أحفاده اليوم فلا غرابة إن وجدت فيهم هذه الصفات الحميدة. فالصفات الجميلة، مثل المواويل، لا تحتاج إلى أن يحملها أحد في حقيبة؛ يكفي أن يجدها الأب في نفسه حتى يجدها الابن بعد سنوات في صوته أو في طريقته وهو يفتح باب الديوان.
ربما أشهر أولاده (الشيخ عطو الثاني)، فقد كان رجلًا مباركًا تقيًا في حياته، يعرف العديد من الأدعية، وكان يدّعي معرفته بحيواته السابقة بواسطة تناسخ روحه. ويُزار قبره الآن للتبرك في (مقبرة كرى كور) ـ التل الأبيض ـ الواقعة في (قرية الإسكينية العليا).
وقد عرفتُ شخصيًا معظم (آل شيخ خدر)، صغارًا وكبارًا، والبعض منهم أصدقاء مخلصون لي نتواصل معًا في مختلف المناسبات. وكان (الشيخ خيري مراد الشيخ خدر) صديقي الأقرب، وكنت أزوره في بيته وديوانه. وآخر مرة رأيته فيها كانت عندما قضيت معه أسبوعنا الأول في الجبل بعد فرمان (داعش) في الثالث من آب (2014). وقد ذكرت تفاصيل هذا الأسبوع والعلاقة الفريدة بيننا في كتابي الموسوم (وجها لوجه مع داعش)، وهو سرد خاص وشخصي عن الفرمان (الرابع والسبعين)، فيه تفاصيل فريدة من وجهة نظر شخصية.
صديقي وشيخي، المحارب الأسطورة، استشهد في معارك التصدي لـ(داعش) في 22/10/2014، بعد أن سطر بطولات قلّ نظيرها، ودُفن في (وادي لالش المقدس) تقديرًا لبطولاته، وجُعل من تاريخ استشهاده مناسبة ليوم (الشهيد الأيزيدي). فكم كنت محظوظًا بصداقتك يا صديقي.
وهنا تتغير الحكاية. فالشيخ خدر الذي كان يهرب من الإنكليز على ظهر حيزا، يعود بعد عقود في صورة حفيده، لكن هذه المرة لا يهرب من العدو، بل يتقدم نحوه. كأن التاريخ، الذي أخطأ في كتابة نهايته الأولى، قرر أن يكتب صفحة جديدة بالقلم نفسه.
مضى أكثر من قرن على ولادة (الشيخ خدر)، ومنذ استشهاد حفيده فقدت الأمل في أن يكون هناك شيخ جديد لـ(عشيرة القيران)، ولكنني أرى الشيخ في أحلام اليقظة؛ لأهزم به آلامي، وليضع يده على رأس اليتامى والأرامل في عشيرتي المنكوبة التي تفرقت في البلدان.
أحيانًا لا نبحث عن الرجل لأنه موجود، بل لأننا نحتاج إلى وجوده. نجلس في الغربة، فنسمع صوته في مكان لا يوجد فيه أحد، ونراه يدخل الديوان، يضع عصاه جانبًا، وينظر إلى الرجال كما كان يفعل. ثم نسأله: أين نذهب بعد أن تفرقت العشيرة؟ فيشير بيده إلى الباب، وكأنه يقول: اجتمعوا أولًا، وبعدها ستعرفون الطريق.
مرة كنت في زيارة (العم درويش)، وهو أفضل من يمكن أن يصنع ويخيط معطفًا أو صديرية (يلك) من فرو الحملان، فالرجل (كركجي) ماهر، وأفضل من يتحدث الكرمانجية الصافية، وكان عادة ينقل لي حكايات وحوادث أيام زمان. فحدثني يومها قائلًا:
“في أيام الشباب زرنا أنا وشقيقي ـ وشقيقه هو والد صديقي (الشهيد قاسو كلي) ـ (الشيخ خدر) في ديوانه، وكان الوقت لا يزال صباحًا، فقال لنا، سأصنع لكما شايًا يا أولادي. ولم نكن نعرف ما طعم الشاي، سمعنا عن الشاي ولم نتناوله بعد. رأيته يضع مقلاة فيها ماء على النار، وبعد أن غلى الماء وضع فيه شيئًا من الشاي وأخذ يقلبه، والشاي يفور، وأخذ ذلك وقتًا أطول من الذي نمضيه هذه الأيام في تخديره. ثم قدم لنا الشاي بنفسه وشربناه مرًّا، فلم يكن هناك شيء اسمه (سكر) في تلكم الأيام.”
تلك الحكاية كانت صورة صغيرة تختصر زمنًا كاملًا. شيخ عشيرة، رجلان شابان، مقلاة فوق النار، وماء يغلي، وشاي مرّ لم يكن أحد يعرف كيف يجعله حلوًا. أحيانًا لا تحتاج الذاكرة إلى معركة كي تحفظ رجلًا؛ يكفي أن تتذكر كيف صنع لك فنجان شاي.
وأنا شخصيًا عرفت طعم الشاي المر مؤخرًا، عندما منعني الطبيب من تناول السكر، فهو لا يختلف كثيرًا عن القهوة في احتوائه على الكافيين، ولكن له طعم مختلف.
من أراد أن يكون شيخ عشيرة حقيقيًا، ورجلًا يهابه العدو ويحترمه الصديق، فليكن كما كان (الشيخ خدر)؛ مقدامًا، يتقدم عشيرته في الملمات والشدائد، ممدود اليد في الخير للفقير، وفي ساعة اللقاء للعدو.
فالشيخ الحقيقي ليس الرجل الذي يجلس في صدر الديوان فقط، وإنما الذي يذهب إليه الناس عندما تضيق بهم الأرض. وقد يكون الديوان غرفة طينية صغيرة، لكن إذا جلس فيها رجل يعرف كيف يجمع القلوب، تصبح أوسع من قصر.
لا يزال يقسم بعض أبناء (عشيرة القيران) بقبر (الشيخ خدر) إن تطلب أمر ما أو موقف ما القسم، وكلما لفظ اسمه سرت في الأبدان قشعريرة وحنين إلى عصره الذهبي، إلى جانب العظماء من رؤساء العشيرة.
ولست أدري إن كانت القشعريرة تأتي من هيبة الرجل أم من حزن الذين لم يعيشوا زمنه، لكنني أعرف أن بعض الأسماء حين تُنطق لا تخرج من الفم وحده؛ تخرج معها أصوات الخيل، ورائحة القهوة، ودخان المواقد، ووجوه رجال جلسوا ذات مساء في ديوان لم يعد موجودًا.
وما تزال جدائل بعض الفتيات القيرانيات معلقة على قبره الواقع وسط قبور (القيران)، الموتى من عشيرته التي أحبته، مجتمعين حوله وكأنه في مجلسه يتهيأ لتقديم القهوة لهم، ويسرد مغامرة أو حكاية شنكالية من حكاياته.
وربما لهذا لا يبدو قبر الشيخ خدر قبرًا كاملًا في ذاكرتي. أراه ديوانًا تحت الأرض، وقد اجتمع فيه الرجال الذين سبقونا، وجلس الشيخ في مكانه المعتاد. لا أحد يغادر، ولا أحد ينتظر ضيفًا، ومع ذلك تبقى القهوة جاهزة، ويبقى الباب مفتوحًا. وفوقهم، في العالم الآخر، تمشي البنات بين القبور وتترك جدائلها على التراب، كأنهن يتركن خيطًا رفيعًا يصل الحاضر بالماضي.
وأحيانًا أتخيل حيزا مربوطًا عند باب ذلك الديوان الأبدي. يرفع الشيخ رأسه عندما يسمع وقع خطوات قادمة من بعيد، ويسأل: من القادم؟
وهكذا بقي الشيخ خدر رئيسًا للعشيرة حتى بعد أن غادرها؛ بقي في اسم القرية، وفي القسم، وفي الحكايات، وفي قبور الرجال، وفي ذاكرة الذين عرفوه، وفي ذاكرة الذين لم يعرفوه إلا من خلال آبائهم. وربما هذه هي الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها بعض الرجال أن يهزموا الموت، أن يتركوا ورائهم حكاية.
وفي آخر المساء، حين يفرغ الديوان من رواده، ويبرد الرماد، ويغادر آخر رجل، يبقى شيخ خدر وحده للحظات. يرفع فنجان القهوة، ينظر إلى الباب، ثم يسمع من بعيد صوت أطفال يركضون في سيباى وهم يتساءلون:
“حصان شيخ خدر ذكر أم أنثى؟”. عندها يبتسم الشيخ، لأن الحكاية ما زالت حيّة، ولأن حيزا لم يعد يحتاج إلى الهرب، ولأن الرجل الذي ظن الجميع أنه رحل منذ زمن طويل لا يزال، بطريقة ما، جالسًا في صدر الديوان.

