محنة المدنيين في العراق

محنة المدنيين في العراق
يحلل النص فشل التيار المدني في العراق منذ 2003، مبرزاً ضعف قواعده، وتحول قياداته، وتحالفاته المتناقضة، واستغلال الحراك الاحتجاجي، وانهيار تمثيله الانتخابي بسبب غياب مشروع دولة، وهيمنة البنى الطائفية التي تمنع نشوء حاضنة مدنية حقيقية في السياق السياسي القائم حالياً...
تعرض أصحاب التوجه المدني، لسوء تقدير في الانتخابات، أو ضحالة فكر من تمت دعوتهم لتمثيلهم، فكيف يمكن بلورة تيار علماني في ظل بيئة الاستقطاب القومي والمذهبي والديني.

فما حدث بعد التاسع من نيسان 2003، هو أن مجموعة من الأحزاب والحركات رفعت شعار انها تمثل رؤية العلمانية او الليبرالية في العراق، تمثلت بمجموعة صغيرة من الحركات من بينها الحزب الشيوعي، الذي ليس لديه ارضية او قبول في العراق، بسبب تصور المجتمع انه بعيد عن الدين ويؤمن بالإلحاد وعدم وجود الله وغيرها من القصص، التي جزء منها حقيقي وجزء منها مبالغ به.

تلك الامور اضطرت الكثير من الشيوعيين إلى مراعاة الوضع الديني كونه السواد العام، ومشاركة الآخرين في طقوسهم

في محاولة لنزع تهمة الإلحاد عنهم، ورغم كل ذلك لم يتمكنوا من اضافة إلى كلاسيكية الفكر في الاطروحات، وكان الزمن

قد توقف عندهم بانهيار الحكم القاسمي في البلد، والإجهاز على ما تبقى منهم من قبل حزب البعث، ناهيك عن رؤيتهم الاشتراكية

في الهوية الاقتصادية، التي أكل عليها الدهر وشرب، في ظل الانصياع العالمي إلى الرأسمالية.

أما الحزب الوطني الديمقراطي، هو الآخر بزعامة الجادرجي، فكان ضعيفا ووجود نفسه محاصرا وغير ممكن ان يعيش حالة الأرستقراطية والبرجوازية المدنية في ظل التدافع الطائفي وانتهى بوفاة أمينه العام وأغلق الستار وانتهى إلى غير رجعة.

لم يبقى سوى الوفاق والمؤتمر الوطني، والثاني من الواضح فيه رمزية احمد الجلبي، فهي من أسعفته لكن سرعان ما دخل في خانة البيت الشيعي وهنا غلب هويته المذهبية ولكن بطابع ليبرالي وبوفاة أمينه العام، بقي هشا يراوح مكانه من دون تقدم يذكر

رغم محاولات إحيائه.

الوفاق الوطني بزعامة علاوي اعتمد نمط مغاير خاصة انه استلم ادارة حكم، وان كانت قصية، حيث اعتمد خطة أخرى وهو الاستحواذ على قاعدة البعث ليقف سد منيع امام الاحزاب والحركات الدينية، وبالفعل نجح في بداية الامر هذا الامر كون قاعدة كانت كبيرة، ومسك زمام السلطة بيده، لكنه لم يتمكن من الاستمرار كثيرا في ذروة التصاعد للاحتقان الطائفي.

كما أن ذاكرة المكونات الكورد والشيعة، لا تطيق سماع هذا الاسم، فانهار فيما بعد ولم يتمكن أمينه العام حتى اليوم من العودة إلى المشهد بكل الطرق، كما كان عليه في أعوام ما بعد التغيير. فبقى المدنيين يعانون من محنة من يمثلهم في ظل تخبط، فتارة تأتي هذه الحركات وتتحالف مع تيارات إسلامية مثلما حدث بتحالف الحزب الشيوعي مع التيار الصدري، كونهم يدركون

ان بقائهم بمفردهم ومعارضتهم الإعلامية، مثل السمكة التي لا تعيش بدون الماء بخروجها من البحر تموت.

إلى ان وصلنا إلى ذروة تشرين، وبما أن القائمين على هرم السلطة هم الشيعة من الإسلاميين، ذهبوا إلى تشكيل عينات او أسماء جديدة خدمتهم في ظل نقمة الشارع من الأداء الحكومي والتفت حولهم، خاصة في بيئة الوسط والجنوب، ذات الطابع الديني والعشائري.

وهنا برزت أسماء معينة مثل فائق الشيخ علي وسجاد سالم وعلاء الركابي وآخرين، كانوا إسلاميين بينهم الزرفي وصاروا علمانيين، وهذه التشكيلة الغريبة ركبت موجة الحراك المدني العلماني مستغلة تلك الظروف لتستثمر وضعها وتحاول تمثيل العلمانيين في الواقع السياسي بعد تراجع، نوعا ما للحركات الإسلامية.

وهنا وبعد مدة تبين ان هذه الأسماء ليس لديها مشروع دولة

بقدر ما ان جل تعكزها وبقائها مستمد من عدم رضا الشارع على الواقع المعيشي.

ومستغلة ظروف المنطقة للتقرب من الفواعل الغربية والعربية بالضد من إيران، ظنا منها ان تجربة التاسع من نيسان

ستتكرر، وهم من ستثني لهم الوسادة، في إدارة الحكم، ولكن سرعان ما تبخرت هذه الأحلام، وهنا استنزف الشارع المدني

ومل من التنظير والانتظار وكشف ان اغلبهم ليسوا سوى حركات نفعية هدفها الوحيد كيف تصل إلى السلطة، ولن يقدموا سوى شعارات.

وهذا خاصة بعد فوز الكثير منهم ووصولهم البرلمان، لذا عاقبهم الشارع المدني في هذه الانتخابات وتركهم يواجهون مصيرهم وكانت خسارتهم صدمة مدوية، من عدم حصولهم على مقعد واحد في البرلمان.

هذه المعاناة لدى الرافضين للحركات الدينية في قيادة الحكم، علما انه بالحسابات الواقعية والموضوعية، لا وجود لأي تيار مدني، بل اغلبهم من المكون الشيعي ان لم يكن كلهم، وهنا لا وجود للحالة المدنية فقط في هذه الجغرافية، والدليل أن الاحزاب الاخرى وان كانت ليست إسلامية لكنها تعلن انها احزاب تمثل مكوناتها

السنة والكورد، ولن يكون في صفوفها المتقدمة من غير طوائفهم او قومايتهم.

فلا وجود لمن يمثل المدنيين سياسيا، ولا يمكن أن تكون له حاضنة في ظل الحالة المجتمعية المقسمة على اساس

تمثيل المكونات في السلطتين التشريعية والتنفيذية.

ويبقى الأمر مجرد أمنيات وأحلام على الأقل في المرحلة الراهنة، مع ملاحظة ان الاحزاب الاسلامية غادرت العباءة الدينية وتحولت إلى أحزاب وظيفية، تحاول أن تحتوي الجميع في قواعدها الشعبية لكنها تبقى هي من تقود ورمزيتها هي الحاضرة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *