روسيا والولايات المتحدة.. علاقة بعلامة التعجب

روسيا والولايات المتحدة.. علاقة بعلامة التعجب
العلاقةُ بين موسكو وواشنطن تقومُ على معادلةٍ دقيقةٍ تجمعُ بين الصراع والتعاون، حيثُ يتنافسُ الطرفان على إعادة تشكيل النظام الدولي، مع تجنّبِ المواجهة المباشرة حفاظاً على توازنٍ عالميٍّ هشّ يقي العالمَ الانهيار....
من الصعب العثور على علاقة دولية تثير هذا القدر من التناقض والدهشة مثل العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة. فبينما يتحدث العالم عن احتمالات المواجهة النووية أو الحرب الباردة الجديدة، تلتقي القوتان بين الحين والآخر على طاولة التفاهم حول قضايا مصيرية تمس أمن الكوكب واستقراره. إنها علاقة تتأرجح بين الندية والخصومة، وبين الشك والتعاون، وكأنها قدرٌ جيوسياسي لا فكاك منه.

جوهر هذه العلاقة يكمن في المعادلة القديمة الجديدة: التعايش في ظل العداء، والتعاون في ظل الشك. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تهدأ المنافسة بين واشنطن وموسكو، سواء أكانت المواجهة أيديولوجية بين الرأسمالية والشيوعية، أم صراع نفوذ بين مشروع يسعى لفرض الهيمنة الأمريكية، وآخر يحاول إعادة التوازن الدولي وترسيخ التعددية القطبية. روسيا، ومعها الصين ودول أخرى، تحاول أن تعيد للعالم معادلة القوة بعد عقود من الأحادية الأمريكية، بينما تصر واشنطن على الحفاظ على موقعها كزعيمة للنظام الدولي.

الملف الأوكراني يمثل اليوم قلب هذا الصراع. فأوكرانيا لم تعد مجرد ساحة قتال، بل ميدان اختبار لإرادة روسيا في استعادة عمقها الاستراتيجي من جهة، وقدرة الولايات المتحدة على تطويق موسكو من جهة أخرى. ومع ذلك يدرك الطرفان أن الانزلاق إلى مواجهة نووية ليس خياراً مطروحاً، ولهذا يُدار الصراع وفق مبدأ الضغط المتبادل دون الانفجار الكامل. كل طرف يلوّح بالقوة دون أن يستخدمها بالكامل، ويبحث عن المكاسب السياسية دون دفع الثمن الاستراتيجي الكارثي.

أما الاختبارات الروسية الأخيرة للأسلحة الفائقة، والتي وُصفت بأنها الأقوى في العالم، فقد أثارت قلقاً أمريكياً واضحاً. هذه الاختبارات لم تأتِ من فراغ، بل كانت رداً على التوسع الأطلسي ونشر منظومات الصواريخ قرب حدود روسيا. الرد الأمريكي جاء سريعاً بالإعلان عن برامج لتحديث الترسانة النووية وتطوير أسلحة فرط صوتية، مما يعيد للأذهان سباق التسلح، ولكن بنسخة أكثر تعقيداً وذكاءً من الماضي، إذ تسعى القوتان إلى تعزيز الردع دون استنزاف اقتصادي شبيه بما حدث في الحرب الباردة.

وفي خضم هذه التوترات، يظهر الملف الفنزويلي كجبهة جديدة محتملة للصراع بين القطبين. فواشنطن التي لم تُخفِ نيتها في إسقاط الحكومة الفنزويلية، تواجه الآن تقارباً واضحاً بين كاراكاس وموسكو. طلب فنزويلا دعماً عسكرياً روسياً ودولياً لحماية سيادتها من التهديدات الأمريكية، الأمر الذي يفتح الباب أمام مواجهة غير مباشرة في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة. هذا المشهد يوازي، من حيث الرمزية، ما تفعله واشنطن في أوكرانيا، وهو ما يجعل الأزمة الفنزويلية مرشحة لأن تكون نسخة معكوسة من الصراع الأوكراني، ولكن على أرضٍ لاتينية هذه المرة.

في نهاية المطاف، تبقى العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة محكومة بحدود دقيقة: لا حرب مباشرة، ولا سلام حقيقي. إنهما تتصارعان من أجل إعادة تشكيل العالم، لكنهما في الوقت ذاته تتفاديان إشعال فتيل النهاية. علاقة يختلط فيها الخوف بالاحترام، والتهديد بالتفاهم، والعداء بالمصلحة. ولهذا، تبقى فعلاً علاقة بعلامة تعجب، لأنها ليست عداءً خالصاً ولا شراكة حقيقية، بل توازن هشّ بين قوتين تعرفان أن سقوط إحداهما يعني انهيار العالم بأسره.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *