الاتفاقية العراقية-التركية للمياه: خطوة ناقصة في سياق مضطرب

الاتفاقية العراقية-التركية للمياه: خطوة ناقصة في سياق مضطرب
تعاني العراق من أزمة مائية حادة بينما تُبرم اتفاقية مع تركيا تفتقر إلى الشفافية والاعتراف بالحقوق التاريخية، وتُوقَّع في إطار سياسي هشّ، ما يجعلها خطوة ناقصة تُضعف الموقف العراقي وتؤكد الحاجة إلى مقاربة تفاوضية جديدة أكثر صلابة....
في الوقت الذي يعاني فيه العراق من واحدة من أخطر أزماته البيئية والمائية في تاريخه الحديث، أُعلن مؤخرًا عن توقيع (آلية تنفيذية لاتفاقية التعاون الإطارية في مجال المياه) بين بغداد وأنقرة، برعاية مباشرة من رئيس الوزراء العراقي، السيد محمد شياع السوداني، وبتوقيع وزيري خارجية البلدين.

ورغم أهمية أي تقارب دبلوماسي في هذا الملف الحيوي، إلا أن ما كُشف حتى الآن عن فحوى هذه الاتفاقية يبعث على القلق أكثر مما يثير الاطمئنان.

أولاً: غياب الشفافية التشريعية

وفقًا للدستور العراقي، فإن الاتفاقيات الدولية – خاصة تلك التي تمسّ السيادة الوطنية والمصالح الاستراتيجية – يجب أن تمرّ عبر مجلس النواب للمصادقة، وأن يتم توثيقها لدى الهيئات الأممية المختصة لضمان إلزاميتها القانونية الدولية.

لكن حتى ساعة كتابة هذه السطور، لم يُعرض نص الاتفاق على البرلمان، ولم تُعرف طبيعته: هل هو بروتوكول نوايا؟ مذكرة تفاهم؟ اتفاقية ملزمة؟ أم مجرّد إعلان إعلامي؟ وهذا الغموض في الشكل القانوني يُضعف من قوة الموقف العراقي لاحقًا في حال وقوع إخلال بالالتزامات.

ثانيًا: إشكالية التوقيت والمقايضة المبطّنة

أن تأتي هذه الاتفاقية بعد سنوات من قطع وتخفيض تركيا لتدفق المياه عبر الفرات ودجلة إلى العراق، دون أي اعتراف صريح بوجود تجاوز أو انتهاك لحقوق العراق المائية، فهذا بحد ذاته خلل خطير في الخطاب التفاوضي.

فأنقرة لم تلوّح بالتعاون إلا بعد أن أمّنت مصالحها السياسية والاقتصادية، وفرضت سياسة الأمر الواقع ببناء أكثر من 22 سداً ضمن مشروع GAP، بما فيها سدي “إليسو” و”جزرة” اللذين خنقا نهر دجلة بشكل غير مسبوق.

ومع ذلك، لم نلحظ في تصريحات الجانب التركي أي تلميح للاعتراف بهذه السياسات، بل جاءت بلغة “الشراكة في مشاريع بنى تحتية مائية”، وكأن العراق هو الطرف المستفيد لا المتضرر.

ثالثًا: غياب الإقرار بحقوق العراق التاريخية

لم يرد في المخرجات الرسمية أي تأكيد تركي على التزام باتفاقيات دولية كاتفاقية 1946، أو مبادئ القانون الدولي للمجاري المائية غير الدولية (اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997)، والتي تنص على وجوب الإخطار المسبق، والاستخدام المنصف والمعقول، وعدم إحداث ضرر كبير للدول المتشاطئة.

بل تم الاكتفاء بلغة إنشائية فضفاضة عن “التعاون المشترك” و”تعزيز العلاقات”، دون أي إشارة إلى مبادئ توزيع الحصص أو إلزاميات قانونية.

رابعًا: أين البعد الفني العراقي؟

من اللافت أن الآلية التنفيذية لم تُعلن بتفصيل يبيّن الطرف الفني العراقي المختص بها:

هل هو وزارة الموارد المائية؟

هل استُشير الخبراء المختصون؟

هل تم بناء هذا الاتفاق بناءً على دراسات مائية استراتيجية؟

بل جاء التوقيع في إطار سياسي صرف، وهو ما يُبقيه عرضة للتقلبات ولتفريغه من المضمون الفني المطلوب.

-توصيات ومخرجات مطلوبة

١-ضرورة عرض نص الاتفاق كاملاً أمام البرلمان، وبيان درجته القانونية، وتحديد ما إذا كان ملزمًا للطرفين أم لا.

٢-إرفاق الاتفاق بخارطة طريق تنفيذية تشمل التزامات زمنية واضحة، وحصص مائية محددة، وإجراءات تقييم دورية.

٣-إشراك الأمم المتحدة أو طرف ثالث ضامن (مثل بعثة UNAMI أو لجنة دولية للمياه) لتوثيق الاتفاق ومراقبة تنفيذه.

٤-العمل على تدويل الملف المائي العراقي، وطرحه على المنصات الحقوقية والبيئية الدولية، باعتباره ملفًا مرتبطًا بالأمن القومي.

٥-تفعيل الحملة الوطنية للترشيد والجباية، فالعدالة المائية تبدأ من الداخل، عبر إقرار قوانين واضحة للجباية تُفرّق بين الغني والفقير وتكافح الهدر المزمن للطاقة والمياه.

من يقطع عنك الماء لسنوات، ثم يعرض عليك عقوداً لتشييد بنى تحتية مائية، لا يعقد معك اتفاقًا، بل يُملي عليك شروطه.

المشكلة ليست فقط في التوقيع، بل في العقلية التي تفاوض من موقع الضعف، ثم تسوّق للاتفاق كمنجز وطني.

نحتاج اليوم إلى عقل تفاوضي جديد… عقل لا يخشى المطالبة، ولا يقايض السيادة بالمجاملات.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *