الهجوم الثاني على حقل كورمور في السليمانية: رسائل مفتوحة وصراع نفوذ مركّب

الهجوم الثاني على حقل كورمور في السليمانية: رسائل مفتوحة وصراع نفوذ مركّب
يُظهر الهجوم الثاني على حقل كورمور أنّ الاقتصاد الكردي دخل مرحلة صراع نفوذ معقّد، وأن استهداف السليمانية يحمل رسائل متعدّدة لبغداد والإقليم والعواصم الخارجية، بهدف الضغط وتغيير موازين القوة في ملف الطاقة والتفاهمات السياسية....

الهجوم للمرة الثانية بطائرة مسيّرة على حقل كورمو في محافظة السليمانية يثبت أن ما يحدث ليس عملًا فرديًا ولا ضربة تكتيكية، بل هو دخول مباشر للملف الاقتصادي الكردي في دائرة الصراع السياسي والأمني داخل العراق والإقليم.

التكرار السريع للهجوم يكشف أن الرسالة لم تكن للاختبار فقط، بل للضغط الحقيقي على واحد من أهم مصادر القوة والتمويل في الإقليم.

١- لماذا السليمانية؟ ولماذا كورمو؟

السليمانية تقع في نقطة حساسة من النفوذ المتداخل: ليست أرض نفوذ أميركي مباشر كما أربيل، ولا مظلة تركية محكمة كما دهوك، بل منطقة نفوذ متشابك: إيراني – اتحادي – كردي (الاتحاد الوطني).

استهداف منشأة نفط في هذه الجغرافيا يعني أن الطرف المنفّذ يريد إيصال رسالة حاسمة تجاه أحد ثلاثة أطراف:

أ) الاتحاد الوطني الكردستاني

بسبب أدواره، تحالفاته، مواقفه داخل بغداد، واصطفافه الأخير في عدة ملفات حساسة.

ب) بغداد

للتأكيد أن الشمال ليس ساحة مستقرة وأن أي تفاهم سياسي جديد يمكن تعطيله عند الحاجة.

ج) الإقليم نفسه

باعتبار النفط هو نقطة القوة الوحيدة التي تمنح إقليم كردستان هامش تفاوض قوي أمام بغداد وخارجها.

٢- ضرب الاقتصاد… لا الجغرافيا

هذا النوع من الهجمات لا يستهدف “الإقليم” ككيان سياسي أو أمني، بل يستهدف اقتصاده ودعامات قوته.

حقول النفط هي:

  • مصدر التمويل،
  • ضمانة الاستقلالية،
  • وأداة التفاوض الأساسية.

ولذلك فإن أي طرف يريد تغيير معادلة القوة في الإقليم يلجأ إلى ضرب النفط وليس الأمن المحلي.

الهجوم على كورمو يهدف إلى:

  • إضعاف أوراق السليمانية،
  • رفع تكلفة موقفها السياسي،
  • أو تعطيل أي تفاهمات تُطبخ بين أربيل وبغداد برعاية أميركية.

المنتفعون من النفط هم الهدف… وليس الأرض.

٣- التوقيت… أهم من الهجوم نفسه

الهجوم الثاني جاء في لحظة مزدحمة بالتشابكات السياسية:

  • زيارة أميركية حساسة تركز على ملف الطاقة والأمن.
  • تنافس محتدم بين أربيل والسليمانية على شكل المرحلة السياسية المقبلة.
  • محاولات بغداد لتشكيل حكومة جديدة وسط ضغوط أميركية – إيرانية – تركية متضاربة.
  • ضغط أميركي على الفصائل بعد سلسلة تصنيفات وإجراءات.
  • تقارير عن تحركات تركية جديدة شرق الفرات وإعادة تموضع إيراني داخل العراق.

في مثل هذا السياق، هجوم على منشأة نفطية ليس رسالة واحدة…

بل مجموعة رسائل تُرسل دفعة واحدة:

“نستطيع التعطيل، المعاقبة، والاختبار… وقتما نشاء.

٤- من المستفيد؟ ولماذا الآن؟

لا يمكن الجزم بهوية المنفّذ، لكن يمكن قراءة اتجاه الرسائل بوضوح:

  1. جهة تريد كسر التقارب بين بغداد وأربيل، خصوصًا بعد تحركات السوداني الأخيرة.
  2. جهة منزعجة من علاقة السليمانية بطهران أو واشنطن، وتريد إعادة توازن داخلي بالقوة.
  3. جهة تستخدم النفط كورقة تفاوضية فوق الطاولة، بدل الجبهات العسكرية التقليدية.
  4. جهة تريد تعطيل المسار الأميركي في العراق عبر ضرب ملف الطاقة الذي تعتبره واشنطن “ملفًا استراتيجيًا”.

هذه الضربات لا تحدث في فراغ… بل في سياق صراع نفوذ فعلي داخل الإقليم نفسه، تتشابك فيه مصالح تركيا وإيران وأميركا والحكومة الاتحادية.

الهجوم الثاني على حقل كورمو ليس تصعيدًا تكتيكيًا، بل إعلانًا بأن الملف الاقتصادي الكردي أصبح رسميًا جزءًا من معركة النفوذ الثلاثية: بغداد – الإقليم – العواصم الخارجية.

الاقتصاد الكردي أصبح هدفًا مشروعًا للضغط السياسي. والسليمانية تحديدًا أصبحت ساحة الرسائل بسبب موقعها وتوازناتها. الملف النفطي عاد ليكون “ساحة الصراع الأولى” بدل الملفات الأمنية. والأهم: التكرار يؤكد أننا أمام حملة ممنهجة… لا حادثة منفصلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *