بين رسالة الرحمة وجشع التجارة… الطب يفقد بوصلته في العراق

بين رسالة الرحمة وجشع التجارة... الطب يفقد بوصلته في العراق
يشخّص النصّ أزمة الضمير في بعض أوساط الأطباء الذين حوّلوا الطبّ من رسالة إنسانية إلى تجارةٍ مربحة، داعيًا إلى رقابةٍ صارمةٍ وإصلاحٍ أخلاقي يعيد الثقة بين الطبيب والمريض، لأنّ الطبّ بلا ضميرٍ هو موتٌ بطيء بثوبٍ أبيض....

منذ فجر التاريخ، كانت مهنة الطب تُعد من أسمى المهن وأ نبلها، لأنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بإنقاذ الأرواح والتخفيف من آلام الناس. فالطبيب في جوهر رسالته إنسانٌ يحمل على عاتقه همّ المريض وآلامه، ويسعى بكل ما أوتي من علمٍ وخبرة إلى تقديم العون والمساعدة دون النظر إلى المكاسب المادية أو المنافع الشخصية. هكذا عرفنا الأطباء في العراق، وهكذا كانت صورتهم المشرقة التي رسمتها مواقفهم النبيلة وتضحياتهم في أحلك الظروف.

من المهنة إلى السوق

لكن الواقع اليوم يشهد تغيرًا مؤلمًا في سلوكيات بعض الأطباء الذين تخلّوا عن جوهر المهنة وأخلاقها، وتحولوا – مع الأسف – إلى تجّارٍ يتعاملون مع المرضى بعقلية السوق لا بعقلية الرحمة والإنسانية. فقد أصبح المريض بالنسبة لهم فرصة استثمارية، وصفة دواء تُدرّ ربحًا، وتحليل مختبري يُضيف عمولة، بدلاً من أن يكون إنسانًا يستحق الرعاية والاهتمام. إن هذا التحول من روح الرسالة إلى منطق التجارة يعكس أزمة ضمير عميقة، تضع الطب في مهب الطمع، وتجعل من الألم البشري سلعة قابلة للمساومة.

استغلال المريض تحت غطاء “العلاج

الكثير من المرضى يشكون من ارتفاع أجور الكشف في العيادات الخاصة، والتي باتت أحيانًا تتجاوز قدرة المواطن البسيط. والأسوأ من ذلك، أن بعض الأطباء يعقدون اتفاقات سرّية مع أصحاب الصيدليات القريبة من عياداتهم، أو مع أصحاب مختبرات التحاليل، بحيث يحصل الطبيب على نسبة من المبلغ مقابل توجيه المرضى لتلك الجهات. وهنا يتحول الطب من رسالة إنسانية إلى تجارة رابحة على حساب معاناة الناس وصحتهم. بعض هذه الممارسات تجري في وضح النهار، دون رادع قانوني أو مهني، مما يجعل المواطن يشعر بالعجز أمام منظومة طبية غاب عنها الضمير وغابت عنها الرقابة.

الدواء… بين الحاجة والربح

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فبعض الأطباء يصفون للمريض أدوية باهظة الثمن لا لضرورة طبية، بل لأنهم يحصلون على حصة مالية من أرباح بيعها. هذه الممارسات لا تسيء فقط إلى المريض، بل تلطّخ سمعة المهنة بأكملها، وتزرع الشك في نفوس الناس تجاه الطبيب الذي يُفترض أن يكون موضع ثقة واحترام. في بلد يعاني من ضائقة اقتصادية، يصبح الدواء عبئًا بدل أن يكون شفاءً، ويغدو المريض ضحية بين فوضى الأسعار وجشع بعض النفوس. وهنا تكمن خطورة أن تُختزل القيم الطبية إلى مجرد معادلة مالية تُحددها نسبة الربح لا حاجة الإنسان.

القسم الذي نُسي بعد التخرج

من المؤسف أن يتحول قسم الطبيب الذي يبدأ بـ”أن أكون مخلصًا في عملي، وأن أحافظ على حياة الإنسان” إلى مجرد كلماتٍ تُتلى عند التخرج ثم تُنسى في زحمة الطمع المادي. إن الطب ليس سلعة تُباع وتشترى، بل رسالة مقدسة ينبغي أن تُمارس بروحٍ نقية وشعورٍ إنساني عميق. فالقسم الطبي ليس إجراءً شكليًا، بل عهدٌ أخلاقي يربط الطبيب بضميره قبل أن يربطه بمهنته، والوفاء به هو ما يميز الطبيب الحقيقي عن التاجر المقنّع بثوب العلم.

بين السقوط الأخلاقي وومضات الأمل

ومع ذلك، لا يمكن أن نعمّم هذا الواقع على جميع الأطباء، فبيننا الكثير من الشرفاء الذين ما زالوا يحملون ضميرهم الإنساني حيًّا، ويقدمون خدماتهم بصدقٍ وإخلاصٍ رغم الظروف الصعبة وقلة الإمكانيات. هؤلاء هم الوجه الحقيقي للمهنة، وهم الذين يستحقون أن يُذكروا بكل احترام وتقدير، لأنهم يمثلون البقية الطيبة التي لم تنجرف وراء مغريات المال. وما زالت صور بعض الأطباء في المناطق الفقيرة والمستشفيات الحكومية تبرق بالأمل، إذ يعملون ليلاً ونهارًا لإنقاذ حياة الناس دون تمييز، مؤمنين أن مهنة الطب لا تكتمل إلا بالتضحية.

نحو نظام صحي يعيد الثقة

إن إصلاح الواقع الصحي في العراق لا يتحقق إلا بعودة القيم الأخلاقية إلى الوسط الطبي، وبفرض رقابة حقيقية من الجهات المختصة، ومحاسبة من يسيئون لهذه المهنة النبيلة. كما ينبغي أن تكون هناك توعية مستمرة للمرضى بعدم الانجرار وراء الإعلانات أو التوصيات غير الموثوقة، وأن يطالبوا بحقوقهم في تلقي العلاج الإنساني بعيدًا عن الاستغلال. ولا بد من إعادة النظر في نظام التسعير الطبي، وتنظيم العلاقة بين الطبيب والمريض بما يضمن الشفافية والعدالة، ويعيد الثقة إلى منظومة الصحة التي تآكلت بفعل الفوضى والفساد.

ختامًا… الطب بين الرحمة والربح

في النهاية، يبقى الطب رسالة لا مهنة فحسب، وميدانًا للرحمة لا للتجارة. وما أحوجنا اليوم إلى استعادة تلك الصورة المشرقة للطبيب العراقي الذي عرفناه يومًا، إنسانًا قبل أن يكون مهنيًا، وضميرًا حيًّا قبل أن يكون صاحب عيادة. فبالأخلاق وحدها تُبنى الثقة، وبالإنسانية وحدها تُحيا المهنة. وإذا ضاعت البوصلة الأخلاقية من يد الطبيب، فلن يجد المريض شفاءً مهما كثرت الأدوية، لأن الطب بلا ضمير هو موت بطيء يرتدي معطفًا أبيض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *