اذأ اردنا النجاح في اصلاح المجتمع العشائري لابد ان نطبق الواقع…

اذأ اردنا النجاح في اصلاح المجتمع العشائري لابد ان نطبق الواقع...
الدعوةُ إلى إصلاح الأعراف العشائرية بجعلِ المسؤولية فردية لا جماعية، وتحويلِ دور العشيرة من الخصومة إلى الصلح، بما يعزز العدالة الاجتماعية ويحفظ التوازن بين العرف والقانون ويصونُ تماسكَ المجتمع وأمنَه....

تعيش المجتمعات العشائرية حالة من التداخل في الأعراف والتقاليد التي تُنظم العلاقات الاجتماعية وتحكم السلوك داخل العائلة والقبيلة، ومع تصاعد الخلافات والنزاعات بين أفراد العشائر، برزت الحاجة إلى إيجاد حلول واقعية تحد من تفاقم المشكلات وتحافظ على مكانة العشيرة وهيبتها. ولأن هذه الأعراف تمثل منظومة قيمية متجذرة في وجدان الناس، فإن أي إصلاح لا بد أن يكون نابعا من داخلها لا مفروضاً عليها من الخارج. فالعرف العشائري ليس مجرد عادة، بل هو إرث حضاري يعكس قيم الكرم والشهامة والنخوة التي شكّلت جزءاً من الهوية الاجتماعية للعراق عبر القرون. ومع التطور الزمني والتحولات الاقتصادية والثقافية، أصبحت بعض تلك العادات بحاجة إلى مراجعة وتحديث لتنسجم مع الواقع الجديد، وتمنع تحوّلها إلى عبءٍ على التعايش والسلم الأهلي.

مسؤولية البيت قبل العشيرة

من بين الحلول المطروحة مؤخرًا فكرة تحميل كل بيت مسؤولية فصله الخاص دون تدخل العشيرة في تفاصيل النزاع سوى بالمشية والستر. هذا الطرح يلقى قبولًا واسعًا في الأوساط العشائرية لما يحمله من منطق وعدالة اجتماعية، إذ يسعى إلى إعادة التوازن داخل المجتمع من خلال تحميل الأفراد أو البيوت مسؤولية أفعالهم، بحيث لا تتحمل العشيرة بأكملها تبعات خطأ فرد واحد. وبذلك تنتقل المسؤولية من الإطار الجماعي إلى الفردي بطريقة تحفظ مكانة العشيرة وتمنع استغلال اسمها في الخصومات، وتجعل كل بيت أكثر حرصًا على سمعته وسلوك أفراده. هذه الخطوة لا تُضعف من شأن العشيرة، بل تُقوّيها لأنها ترسّخ ثقافة الانضباط والمحاسبة الذاتية، وتدفع باتجاه وعي اجتماعي جديد قائم على العدل والتوازن بين الحقوق والواجبات.

الحد من النزاعات وإحياء العدالة

إن هذا النهج الجديد يخفف من حدة الصراعات ويقلل من الخسائر المادية والمعنوية التي تترتب على النزاعات الممتدة، كما أنه يرسخ مبدأ العدالة والمساءلة داخل المنظومة العشائرية ويمنح كل بيت فرصة لحماية سمعته وتقدير مكانته. فالبيت الذي يتحمل فصله يعرف حدوده وقدره بين أبناء عمومته، ولا يظلم غيره أو يثقل كاهل عشيرته بأعباء ليست من مسؤوليته. كذلك فإن حصر دور العشيرة بالمشية والستر يساهم في ترسيخ قيم الصلح والتسامح، ويجعل من دورها دورًا جامعًا لا خصاميًا. فالعشيرة التي تكتفي بالسعي للصلح لا تفقد هيبتها، بل تكتسب احترام الجميع لأنها تمثل مظلة الحكمة والاعتدال، لا ساحة للانتقام والثأر.

تحديث الأعراف واستعادة التوازن

هذه الرؤية تمثل خطوة نحو تحديث الأعراف العشائرية بما يتناسب مع روح العدالة والمسؤولية، وهي دعوة لتصحيح المفاهيم السائدة بأن العشيرة تتحمل أخطاء جميع أفرادها دون تمييز. فالعدل يبدأ من البيت، والمسؤولية الفردية هي الطريق الأمثل لحفظ مكانة العشيرة وهيبتها في زمن تتعدد فيه التحديات وتزداد فيه النزاعات. ومن هنا يجب على شيوخ العشائر والحكماء أن يكونوا قادة هذا التحول عبر التوعية وتبني خطاب إصلاحي متوازن يعيد الاعتبار للعرف الصحيح وينبذ الاستغلال والمغالاة في تطبيقه. فالقانون والعرف لا يتعارضان حين يكون الهدف حماية المجتمع وصون الكرامة، بل يتكاملان ليشكلا معًا منظومة عدل وسلام اجتماعي تحفظ وحدة النسيج الوطني.

نحو مجتمع أكثر أمنًا وتماسكًا

لاسيما في الظروف التي نمر بها من تقلبات كبيرة جدًا قد تجعل الفرد بين سيفين كلاهما حاد، فلابد للعقلاء اتخاذ مواقف حاسمة وجادة وإصدار بيانات تدين التجريم الكلي للعشيرة، بل تخص طرف النزاع فقط، وأن لا يمتد لباقي الأفخاذ أو العشيرة. من هنا نستطيع أن نحد من المشاكل التي تتفاقم ونحن بأوج الحاجة إلى الأمن والأمان في بلد فقد الكثير من استقراره بسبب انتشار السلاح وغياب الرقابة الحقيقية لذلك. إن إصلاح المجتمع العشائري ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية وأخلاقية، لأن تماسك العشيرة يعني تماسك المجتمع بأسره، ولأن استقرار العرف يعني استقرار الدولة، وكل خطوة نحو عدالة محلية رشيدة هي لبنة في بناء وطن آمن متماسك. فحين تتوازن القيم مع القوانين، وتلتقي العشيرة مع الدولة في هدف واحد هو حماية الإنسان، نكون قد وضعنا أول حجر في طريق الإصلاح الحقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *