إذا كانت الحرب قد انتهت فعلًا فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو من المنتصر في هذه الحرب ومن الذي سيدفع ثمنها بعد كل ما خلفته من خسائر باهظة فالحروب غالبًا لا تنتهي عند لحظة توقف إطلاق النار بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيدًا تتعلق بحساب الأرباح والخسائر السياسية والاقتصادية والإنسانية فالدول التي تدخل الحروب تسعى عادة إلى تحقيق مكاسب استراتيجية أو فرض نفوذ أو تغيير موازين القوة لكن الواقع كثيرًا ما يكشف أن الثمن الذي يدفع يكون أكبر بكثير مما كان متوقعًا.
وعند النظر إلى أي حرب حديثة نجد أن مفهوم الانتصار لم يعد واضحًا كما كان في الماضي فحتى الطرف الذي يعلن نفسه منتصرًا يخرج منهكًا باقتصاد مثقل بالديون وبنية تحتية مدمرة ومجتمع يعاني من آثار الصدمة والخسارة البشرية أما الطرف الآخر فقد يخسر الأرض أو النفوذ لكنه يترك وراءه صراعًا مفتوحًا وتوترًا مستمرًا يجعل الاستقرار بعيد المنال.
في المقابل يبقى المدنيون هم الطرف الذي يتحمل العبء الأكبر للحروب فالعائلات التي فقدت أبناءها والمدن التي تحولت إلى ركام والاقتصادات التي انهارت كلها تشكل فاتورة حقيقية للحرب لا يمكن لأي إعلان نصر أن يمحوها كما أن إعادة الإعمار تحتاج إلى سنوات طويلة وإلى موارد ضخمة غالبًا ما يتحملها الشعب عبر الضرائب أو تراجع مستوى الخدمات والتنمية.
ومن زاوية أخرى قد يكون المستفيد الأكبر من الحروب جهات لم تكن في واجهة الصراع مثل شركات السلاح التي تزدهر تجارتها خلال النزاعات أو القوى الدولية التي تعيد ترتيب نفوذها في المنطقة مستغلة حالة الضعف التي تخرج بها الدول المتحاربة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي بعد انتهاء أي حرب ليس فقط من انتصر بل ماذا تغير على أرض الواقع وهل تحقق سلام حقيقي أم أن الحرب توقفت مؤقتًا بانتظار جولة جديدة من الصراع فالتاريخ يثبت أن الانتصار العسكري لا يعني دائمًا نهاية الأزمة بل قد يكون بداية مرحلة أخرى من التوتر وعدم الاستقرار بينما يبقى الثمن الأكبر مدفوعًا من حياة الناس ومستقبل الأجيال القادمة.
فالصراع بين الحق والباطل لازال قائما .
فأعادة التموضع لايعني خسارة المعركة..


