قراءة في البيان الخليجي الأوروبي والرد الإيراني ضمن معركة اللغة والسيادة
في السادس من أكتوبر 2025، صدر البيان المشترك بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، الذي دعا إيران إلى ضبط النفس ووقف تطوير برنامجها النووي والصاروخي، وكرّر المطالبة بإنهاء (احتلال) الجزر الإماراتية الثلاث!!
لكن خلف هذه اللغة الدبلوماسية الناعمة، كانت تختبئ نبرة وصاية غربية متجددة على المنطقة، إذ بدا البيان كأنه إعادة تدوير لخطاب قديم يحمّل إيران مسؤولية التوتر الإقليمي، بينما يتغاضى تماما عن الجرائم الإسرائيلية، وعن الترسانات العسكرية الضخمة التي تملأ الخليج بدعم غربي مباشر.
-
الخليج تحت المظلّة الأوروبية-الأمريكية
لم يكن البيان صوتا خليجيا خالصا بقدر ما كان صدى للسياسة الأوروبية-الأمريكية التي تحاول إعادة اصطفاف المنطقة في مواجهة محور المقاومة.
فالعواصم الخليجية، رغم حاجتها إلى التهدئة مع طهران لحماية أسواقها واستقرارها الاقتصادي، لا تزال عاجزة عن الخروج من العباءة الغربية التي ترى في إيران التهديد المركزي، لا لأنها تزعزع الأمن، بل لأنها تملك مشروعا استقلاليا يربك هندسة الهيمنة التقليدية في المنطقة.
بهذا المعنى، يمكن قراءة البيان كجزء من محاولة أوسع لـ إعادة ضبط الإقليم على إيقاع النفوذ الغربي، بعد أن تآكلت قدرة واشنطن على التحكم المباشر بمسارات الصراع.
-
الرد الإيراني الأولي
ردت طهران سريعا على البيان بوصفه تدخلا مرفوضا في شؤونها الداخلية، مؤكدة أن الجزر الثلاث (طنب الكبرى، طنب الصغرى، وأبو موسى) جزء لا يتجزأ من أراضيها، وأن برنامجها الدفاعي والنووي شأن سياديّ.
اللغة الإيرانية هذه المرة لم تكن دفاعية كما في بعض المواقف السابقة، بل هجومية وحادة، تذكّر الغرب بازدواجيته وتعيد تعريف مفهوم “الاستقرار الإقليمي” من منظورها الخاص، حيث يصبح الأمن الحقيقي مرادفا لاستقلال القرار، لا لإرضاء القوى الكبرى.
-
من البيان إلى الفعل: استدعاء الدبلوماسيين
في الثامن من أكتوبر، انتقلت طهران من الرد الإعلامي إلى التحرك الدبلوماسي المباشر، إذ استدعت رسميا سفراء الدول الأوروبية الثلاث (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) إضافة إلى ممثلي الاتحاد الأوروبي في طهران، لتسجيل احتجاجها الرسمي.
هذا التحرك يعكس بوضوح أن إيران لا تتعامل مع البيان الخليجي-الأوروبي بوصفه حدثا بروتوكوليا، بل كجزء من حملة ضغط منسقة تستوجب الرد العملي.
خلال اللقاء، أكد مساعد وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانجي على ثوابت طهران:
– السيادة “الدائمة” على الجزر الثلاث واعتبارها “جزءا لا يتجزأ” من الأراضي الإيرانية.
– رفض تام لأي نقاش حول البرامج الدفاعية أو النووية، واعتبارها “حقا مشروعا للدفاع عن النفس”.
كما وجّهت الخارجية الإيرانية انتقادات حادة لأوروبا، متهمة إياها بـ “ازدواجية المعايير” لأنها تملأ المنطقة بالأسلحة الغربية وتدعم الكيان الإسرائيلي، ثم تدّعي القلق من قدرات إيران الدفاعية.
وفي السياق نفسه، اتهمت طهران الدول الأوروبية الثلاث بـ “الأداء الضعيف وغير المستقل” في الاتفاق النووي، و”إساءة استخدام” آلية حل النزاعات، معتبرة أن الملف النووي أصبح ورقة ضغط غربية أكثر من كونه مسألة قانونية أو تقنية.
-
الموقف الأوروبي: باب مفتوح رغم العقوبات
رغم لهجة البيان الحادة، حاول الاتحاد الأوروبي عبر مسؤولة سياسته الخارجية كايا كالاس التخفيف من الانطباع العدائي، مؤكدة أن فرض العقوبات لا يعني نهاية المسار الدبلوماسي، وأن الحل الدائم للملف النووي يجب أن يكون عبر المفاوضات والوسائل السلمية.
هذه الإشارة الأوروبية تعكس إدراك بروكسل أن التصعيد مع إيران، في ظل حرب غزة واحتدام الصراع على الطاقة، قد يتحول إلى مخاطرة غير محسوبة، لذلك، تحاول الحفاظ على خيط الحوار مع طهران، وإن كان خيطا رفيعا ومشدودا بين ضغوط واشنطن ومصالحها الاقتصادية.
-
ما وراء الأزمة
في الجوهر، لا يدور الخلاف حول “الجزر الثلاث” أو “النووي” بقدر ما يدور حول من يملك حق تعريف الشرعية الإقليمية.
الغرب ومعه عواصم عرب الخليج يريدون تثبيت نظامٍ إقليميٍ تدار دفته من الخارج، فيما ترى إيران ومحور المقاومة أن زمن الوصاية انتهى، وأن من يفرض قواعد اللعبة هو من يملك أدوات الردع والقرار المستقل.
استدعاء السفراء الأوروبيين ليس مجرد تصعيد عادي، بل تأكيد رمزي على أن طهران هي من يضع حدود الحوار وشروط السيادة، في مواجهة خطاب غربي يحاول محاصرتها سياسيا بعد فشله في الميدان.
-
خلاصة
البيان الخليجي-الأوروبي لم ينجح في عزل إيران، بل وفّر لها منصة جديدة لتأكيد قوتها السيادية ودفاعها عن مشروعها الإقليمي.
أما أوروبا، فهي تحاول أن تلعب على حبلين، فهي من جهة تدين وتفرض العقوبات، بينما تبقي الباب مفتوحا أمام المفاوضات من جهة أخرى.
وبين هذين الخطين، تواصل طهران ما يمكن وصفه بـ الهجوم الدبلوماسي المنظّم، الذي يوازي حضورها الميداني القوي في ساحات المقاومة.
ويمكن القول:
إنّ من يتحدث اليوم عن “استقرار الخليج” بلغة البيانات، عليه أن يدرك أن الاستقرار الحقيقي يصنع في طهران وغزة وبيروت وصنعاء وبغداد، لا في قاعات بروكسل والرياض.
-
أخيرا: عرب الخليج بين عجز وتبعية
ما يثير السخرية حقا هو أن ممالك وإمارات الخليج، التي صمتت على احتلالٍ دام وقتل متواصل في فلسطين، وجدت في البيان ضد إيران فرصة لتثبيت ولائها للغرب.
وفي لحظة تساقطت فيها الأقنعة، يظهر هذا الاصطفاف بوصفه مهزلة سياسية وإنسانية، فحين تبرّر جرائم الاحتلال وتدان المقاومة، تكون الأمة قد دخلت طور العبودية السياسية بإرادتها.
إنّ البيانات التي تصدر من العواصم المذهّبة لا تعبّر عن ضمير العرب، بل عن انظمة هشّة فقد كرامتها، وتحولت إلى شاهد زور في زمن المواجهة.
أمّا الشعوب، فتعرف أن التاريخ لا يكتبه من يجلسون في المؤتمرات، بل من يصمدون في خنادق العزة.


