وقف النار في غزة: نهاية حرب أم بداية معادلة جديدة؟

وقف النار في غزة: نهاية حرب أم بداية معادلة جديدة؟
أثبتت حرب غزة أن إسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها وتآكل ردعها، فيما خرجت المقاومة أكثر رسوخاً وإلهاماً، لتبدأ مرحلة توازنٍ جديد يقوم على صمود الشعوب لا على تفوق السلاح....

بعد أكثر من عامين من الحرب المدمّرة على قطاع غزة، توصّل “الكيان الإسرائيلي!” وفصائل المقاومة الفلسطينية إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، بعد سلسلة طويلة من المعارك البرية والجوية التي خلّفت دمارا واسعا واستنزافا غير مسبوق بين الجانبين.

غير أن هذا الاتفاق لا يبدو نهاية لصراع دام بقدر ما يمثّل تحولا استراتيجيا في معادلات القوة والردع في المنطقة، إذ خرجت منه المقاومة الفلسطينية أكثر رسوخا في وعي الشعوب، فيما وجد الاحتلال نفسه أمام مأزق داخلي عميق وتآكل في صورته الردعية والسياسية.

  • الأهداف المعلنة… والنتائج الفعلية

منذ الأيام الأولى للعملية العسكرية، أعلنت القيادة الإسرائيلية أن هدفها الرئيس هو “تدمير حركة حماس وإنهاء حكمها في غزة”.

لكنّ الحصيلة الميدانية والسياسية بعد أكثر من عامين تشير إلى فشل واضح في تحقيق هذا الهدف.

فالحركة ما زالت قائمة تنظيما ومشروعا، رغم الخسائر الجسيمة التي تكبّدتها، فقد حافظت على الفاعلية الميدانية والقدرة التنظيمية وتمكّنت من الصمود والمناورة حتى اللحظة الأخيرة.

وتقدّر تقارير إسرائيلية أن ما تم تدميره لا يتجاوز 60% من البنية التحتية للمقاومة، وأن عدد مقاتليها الذين تمت تصفيتهم لا يتجاوز 40% من قوتها القتالية قبل الحرب.

هذه الأرقام تعني أن العملية لم تحقق أهدافها المعلنة، بل أوقعت إسرائيل في حرب استنزاف طويلة الأمد أضعفت جبهتها الداخلية، وعمّقت الشكوك في جدوى سياساتها العسكرية تجاه غزة.

  • الردع الإسرائيلي… ما بعد الانكسار النفسي

أخطر ما واجهته إسرائيل في هذه الحرب لم يكن الخسائر المادية أو البشرية، بل تآكل مفهوم الردع الذي شكّل لعقود الركيزة الأساسية في عقيدتها الأمنية.

فالقبة الحديدية لم تعد ضمانة مطلقة، والجيش الذي وصف بأنه “لا يقهر” وجد نفسه في حرب طويلة لم يتمكن من حسمها رغم تفوقه التكنولوجي واللوجستي.

تبدّل المزاج العام داخل المجتمع الإسرائيلي من الثقة إلى الشك، ومن الاطمئنان إلى التساؤل عن جدوى استمرار الاحتلال في ظل ارتفاع الكلفة البشرية والاقتصادية والنفسية.

أما على المستوى الإقليمي، فقد سقطت الهالة العسكرية والسياسية لإسرائيل، لتظهر كقوة تمتلك السلاح لكنها تفتقر إلى القدرة على تحقيق الحسم أو فرض الاستقرار.

  • المشهد الإقليمي وإعادة تموضع محور المقاومة

لم تكن الحرب على غزة معركة محلية فحسب، بل فصلا من صراع استراتيجي أوسع يمتد على امتداد المنطقة.

فمع كل غارةٍ إسرائيلية على غزة، كانت الجبهات الأخرى تعيد تموضعها، من جنوب لبنان إلى العراق واليمن، ومن خلفها طهران التي تابعت المشهد باعتباره جزءا من معادلة الردع الإقليمي الشاملة.

أبرز ما أفرزته الحرب هو تراجع مكانة إسرائيل الإقليمية رغم مشاريع التطبيع التي روّجت لها الولايات المتحدة خلال العقد الأخير.

فقد أدّت صور الدمار في غزة إلى إحياء الوعي الشعبي بالقضية الفلسطينية، وتزايد الضغوط على الحكومات العربية المطبّعة، لتجد تل أبيب نفسها أكثر عزلة رغم كل محاولاتها لكسب الشرعية الإقليمية.

في المقابل، أعادت الحرب توحيد محور المقاومة سياسيا وإعلاميا وشعبيا، إذ تلاقت إرادة القوى الداعمة للمقاومة على تثبيت معادلة الردع، ومنع الاحتلال من فرض وقائع جديدة بالقوة.

  • أزمة الداخل الإسرائيلي وتصدّع القيادة

تواجه إسرائيل اليوم واحدة من أعقد أزماتها السياسية في تاريخها الحديث.

فالحرب لم تفرز نصرا واضحا، بل كشفت هشاشة البنية الداخلية، وتصدّع الائتلافات الحاكمة، وتراجع الثقة بالقيادة السياسية والعسكرية.

ترافق ذلك مع تصاعد الهجرة المعاكسة، وتنامي الشعور باللاجدوى لدى فئات من المجتمع الإسرائيلي، وهو ما يهدّد بتداعيات بعيدة المدى على تماسك الدولة ومفهوم الأمن القومي.

على الجانب الآخر، تمكّنت المقاومة الفلسطينية من تحويل الصمود إلى أداة سياسية وإعلامية، لتفرض حضورها كطرف لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية تخص غزة أو القضية الفلسطينية ككل.

وهذا ما يعني أن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري، لم تعد قادرة على إدارة الصراع أو فرض شروطها على الأرض.

  • اخيرا: ما بعد الحرب… موازين جديدة

يظهر وقف إطلاق النار أن الحرب على غزة لم تكن معركة لتحقيق نصر عسكري بقدر ما كانت ميدان اختبار لإرادات استراتيجية متقابلة.

إسرائيل خرجت مثقلة بالانقسام الداخلي وفقدان الثقة، فيما خرجت المقاومة أكثر رسوخا في الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي.

لقد انتهت الحرب دون حسم، لكن نتائجها سترسم في السنوات القادمة على شكل توازن ردع جديد، لا يقوم على التفوق العسكري بل على قدرة الشعوب والحركات على الصمود والمراكمة.

وهكذا يتحوّل وقف النار من مجرد اتفاق ميداني إلى إعلان غير مباشر بانتهاء مرحلة من الهيمنة الإسرائيلية، وبداية زمن جديد تتقاطع فيه السياسة مع المقاومة في رسم مستقبل المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *