تعد عمليات السوق المفتوحة open Market Operations إحدى أهم أدوات السياسة النقدية، وتتمثل في قيام البنك المركزي ببيع أو شراء السندات الحكومية، بهدف التحكم في حجم الكتلة النقدية داخل الاقتصاد، ومن ثم توجيهها نحو تحقيق الهدف المركزي المتمثل بالتحكم بمعدلات الأسعار للوصول إلى ما يُعرف بـ “التضخم المستهدف” وهو ذلك المستوى المقبول من التضخم الذي لا يؤثر سلبا على النشاط الاقتصادي، تنفذ هذه العمليات عبر طرح سندات دين عام طويلة الأجل، تحمل قيمة مالية بالعملة الوطنية، ويُحدد عليها سعر فائدة سنوي أو نصف سنوي مع تحديد فترة استحقاق في حالات التضخم.
يعمد البنك المركزي إلى بيع السندات لامتصاص السيولة وتقويض القدرة الإنفاقية، ما يؤدي إلى انكماش الطلب الكلي، أما في حالات الركود فيقوم البنك بشراء السندات، مما يزيد من الكتلة النقدية ويحفّز الطلب الكلي وبهذا، يتحقق الدور النقدي لهذه الأداة من جهة أخرى، تصدر الحكومة هذه السندات عبر وزارة المالية لأغراض مالية بحتة كتمويل عجز الموازنة سواء بالعملة الوطنية أو الأجنبية، وفي الحالة الأخيرة، تطرح غالبا في أسواق خارجية لتوفير سيولة نقدية بالعملة الصعبة ومن المهم التمييز بين السندات الحكومية وأذونات الخزينة، حيث تستخدم الأذونات لتوفير سيولة قصيرة الأجل لتغطية الالتزامات المالية المؤقتة، عندما لا تكون الإيرادات كافية.
في عام 2012، نشرت مقالا في جريدة المشرق العراقية تحت عنوان: “عمليات السوق المفتوحة الأداة الغائبة عن إجراءات البنك المركزي”، ناقشت فيه ضعف استخدام هذه الأداة في ضبط الكتلة النقدية، واعتماد البنك المركزي على سعر الصرف كمثبت اسمي للسياسة النقدية، والمثير للانتباه أن هذه الأداة لا تزال حتى اليوم غائبة عن واقع السياسة النقدية في العراق، رغم أهميتها الكبرى وتأثيرها المؤكد في العديد من الاقتصادات المتقدمة، ورغم التوصيات السابقة، لا تزال معوقات عديدة تحول دون تفعيل السوق المفتوحة منها محدودية سوق العراق للأوراق المالية، وضعف ثقة المواطنين بالجهاز المصرفي، وانخفاض مستوى الثقافة الاستثمارية.
الإصدارية الأخيرة …. بين الاحتياج المالي والبعد النقدي
أقدمت وزارة المالية (دائرة الدين العام) على إصدار الدفعة الثالثة من سندات “إنجاز” نهاية عام 2024 بعد دفعتين سابقتين، وتضمنت الدفعة فئتين:
الفئة الأولى: قيمة السند 500,000 دينار، بفائدة سنوية %6.5 تصرف كل ستة أشهر، لمدة سنتين.
الفئة الثانية قيمة السند 1,000,000 دينار، بفائدة سنوية%8.5% تصرف نصف سنوي، لمدة أربع سنوات.
وقد أوضحت وزارة المالية أن الغاية من الإصدار هي تمويل المشاريع الاستثمارية، حيث بلغ إجمالي القيمة المستهدفة 1.3 تريليون دينار.
ورغم أن البنك المركزي هو الجهة المصدرة، إلا أن المراقبين يرون أن هذا الإجراء جاء في إطار معالجة أزمة سيولة مزمنة ناجمة عن اختلال هيكلي في دورة النقد، حيث تشير الإحصاءات إلى أن ما يحتفظ به الجهاز المصرفي لا يتجاوز 12% من إجمالي الكتلة النقدية المصدرة، مما يعيق قدرة الحكومة على تلبية التزاماتها، خصوصًا الرواتب والإنفاق الجاري، وقد اقتصرت إجراءات السوق المفتوحة في العراق خلال السنوات الماضية على عمليات التعقيم النقدي من خلال سياسات تثبيت سعر الصرف والدفاع عنه دون تفعيل مباشر الأدوات السندات في السوق الثانوية.
تحديات الإصدارية وسبل المعالجة
إن هذه الإصدارية، رغم جدواها المعلنة، قد لا تحقق الهدف المالي المأمول، بسبب ضعف الثقة بالإجراءات الحكومية وتراجع التعامل المصرفي، كما تعكسه نسبة النقد المحتفظ به خارج الجهاز المصرفي.
ولمعالجة هذا الخلل، لابد من:
. إصلاح المنظومة المالية عبر التحول الرقمي في الخدمات المصرفية.
. تعزيز الشمول المالي، وتوسيع قاعدة المتعاملين مع البنوك
. رفع مستوى الشفافية، وتحسين الدور الرقابي على الجهاز المصرفي.
. تنشيط سوق العراق للأوراق المالية، وتوفير ضمانات قانونية ومالية لحاملي السندات
. دعم البنك المركزي كمصدر للثقة في الإصدارات المالية، بما يملكه من مكانة ومصداقية.
ختامًا، لا يمكن لأي سياسة نقدية أن تؤتي ثمارها دون بيئة مصرفية سليمة، وثقافة استثمارية واعية، وثقة شعبية راسخة. والإصدارية الأخيرة تعد خطوة أولى، لكن نجاحها مرهون بإصلاحات أعمق وأشمل.


