لم يكن الخطاب الاخير للشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، مجرد إطلالة سياسية عابرة، بل مثّل لحظة مفصلية في مسار المقاومة بعد استشهاد سيد شهداء الامة السيد حسن نصر الله.
فلأول مرة، يخرج حزب الله من دائرة السرّية والتفاهمات المغلقة إلى مبادرة علنية صريحة، موجّهة للخارج والداخل على السواء، واضعا أسس حوار جديد مع المملكة العربية السعودية ومع خصومه في لبنان.
-
من الممانعة إلى المبادرة
عرف عن حزب الله طيلة العقود الماضية أنه يتجنب الطروحات السياسية العلنية التي قد تفسر بانها تنازل أو تراجع، مكتفيا بإدارة خلافاته عبر قنوات خلفية وتفاهمات ظرفية.
إلا أن الشيخ قاسم قلب هذه القاعدة رأسا على عقب، فقد طرح دعوة مباشرة، على الهواء وأمام الجميع، ليفشل أي محاولات من خصوم الداخل أو الخارج لتخريب مبادرة من هذا النوع.
بهذا، تحوّل الحزب من موقع “المجيب” على المبادرات، إلى موقع “المبادر” الذي يفرض قواعد جديدة للعبة.
-
دعوة السعودية: قراءة في البعد الإقليمي
ما الذي دفع حزب الله لطرح موضوع السعودية الآن بالذات؟ التوقيت يرتبط بعاملين متداخلين:
أولا: اتساع التغوّل الإسرائيلي في المنطقة، وصولا إلى استهداف قطر، ما كشف وضوح المشروع الأمريكي-الإسرائيلي لتفكيك المنطقة.
ثانيا: الحاجة إلى قلب الاصطفافات التقليدية، فالدعوة لم تكن نابعة من ضعف، بل من ثقة بقدرة المقاومة على فرض معادلة جديدة.
الشيخ الامين وضع ستة أسس للحوار مع المملكة:
1- معالجة الإشكالات وضمان المصالح المشتركة.
2-تثبيت أن إسرائيل هي العدو، لا المقاومة.
3-تجميد الخلافات الماضية في هذه المرحلة الاستثنائية.
4-التأكيد أن سلاح المقاومة موجّه فقط لإسرائيل، لا للبنان ولا للسعودية.
5-التنبيه إلى أن الضغط على المقاومة هو ربح صاف لإسرائيل.
6-التذكير بأن المقاومة الفلسطينية جزء من منظومة ردع التوسع الإسرائيلي.
وبهذا المعنى، أراد حزب الله أن يرسل رسالة مزدوجة:
اليد ممدودة للتفاهم، لكن على قاعدة أن إسرائيل هي الخطر، وأي خلاف آخر يمكن تأجيله.
-
دعوة الخصوم اللبنانيين: من العداء إلى الشراكة الاضطرارية
الشق الثاني من الخطاب كان موجّهًا إلى الداخل اللبناني، الشيخ قاسم دعا جميع الأطراف، حتى أولئك الذين وصلت الخصومة معهم إلى مستوى العداء، إلى عدم تقديم خدمات مجانية لإسرائيل، سواء بوعي أو من غير وعي.
استند في ذلك إلى تجربة حزب الله نفسه، من إيقاف العدو في معركة أولي البأس، إلى المشاركة في انتخاب الرئيس، ثم الوجود في الحكومة والبرلمان مع قوى سياسية تختلف معه جذريا.
الرسالة واضحة:
إذا أمكن التعاون هناك رغم الخلافات، فالأولى أن نتعاون اليوم أمام خطر وجودي يهدد لبنان كله.
-
العلنية كاستراتيجية بحد ذاتها
إصرار الشيخ الامين على أن تكون الدعوة علنية لم يكن تفصيلا عابرا، وانما أراد أن يعلن المبادرة على الهواء مباشرة، لسببين رئيسيين:
– توفير الوقت في لحظة استثنائية لا تحتمل المساومات الطويلة.
– قطع الطريق أمام المتضررين المرتبطين بأمريكا وإسرائيل الذين اعتادوا إفشال أي مسعى للحوار.
بكلمات أخرى، تحولت العلنية نفسها إلى جزء من الاستراتيجية، ورسالة بأن المقاومة واثقة من أوراقها إلى حد طرحها على المكشوف.
-
ردود الفعل: بين الترقب والقراءة الحذرة
ردود الأفعال على الخطاب بين الإعلام الغربي والعربي والإيراني كانت متفاوتة، فيما فضّلت أطراف أخرى الصمت أو التريث.
فقد رأت وكالات مثل رويترز وأسوشيتد برس أن الدعوة المفاجئة للحوار مع السعودية تحمل تأكيدا بأن سلاح حزب الله موجّه حصرا لإسرائيل، لكنها قد تكون “مناورة سياسية” لتخفيف الضغوط.
عربيا، نقلت الجزيرة الدعوة وركّزت على مضامينها، بينما اعتبرت صحيفة لوريان توداي اللبنانية أنها مبادرة غير متوقعة قد تفتح مسارا جديدا، في حين التزم الإعلام الخليجي الرسمي الحذر تجنّبا لإحراج الموقف السعودي الذي لم يعلّق بعد.
أما إعلام محور المقاومة فأبرز الخطاب كرسالة تثبت بقاء المقاومة في موقع المبادرة، لكنه تجنّب حتى الآن التحليلات المعمقة، ربما بانتظار تبلور موقف سعودي أو إقليمي.
وهذا التباين يعكس حذرا سياسيا عاما، الغرب لا يريد تضخيم الخطوة، الخليج ينتظر الرياض، والخصوم في الداخل يلوذون بالصمت.
وهنا يظهر مغزى الطرح العلني لحزب الله، عبر إحراج المترددين وكشف من يتهرّب من مواجهة إسرائيل.
-
نحو ما بعد سيد شهداء الامة
يكشف الخطاب الذي قدمه الامين أن حزب الله لن يختصر في شخصية، مهما عظمت، بل أنه راسخ كمدرسة ورؤية استراتيجية طويلة الأمد.
وبعد استشهاد السيد حسن نصر الله، كان يمكن أن يتوقع البعض أن الحزب سينكفئ أو يكتفي بالدفاع، لكن ما ظهر هو العكس تماما:
– خطاب هجومي.
– مبادرة علنية.
– وإعادة صياغة لقواعد الصراع.
-
اخيرا: لحظة كسر الاصطفافات
يضع هذا الخطاب كل الأطراف أمام خيار واضح:
– إما التوجه نحو مواجهة إسرائيل كعدو مشترك.
– أو الوقوف عراة أمام شعوب المنطقة كخدام للمشروع الإسرائيلي.
من هنا تأتي فرادة هذا الخطاب، فهو ليس مجرد كلام سياسي، بل إعلان دخول المقاومة مرحلة جديدة، حيث الكلمة العلنية باتت سلاحا استراتيجيا مكمّلا للصاروخ والبندقية.


