أهم ما جاء في نقدي للكتاب:
أولاً: إشكالية القياس التاريخي، و الزمني، والثقافي
إن المقارنة بين جمهورية فايمار (1919–1933) والعراق ما بعد 2003 تتجاهل التباينات الجذرية على الصعد الحضارية، والتاريخية، والاجتماعية، والجيوسياسية بين السياقين.
يقول المؤلف:
“ومع ازدياد الديمقراطيات في العالم، بما في ذلك العراق بعد العام 2003، نستطيع مع مراجعة جادة لتجربة جمهورية فايمار أن نتعلم منها” (راجع الصفحتان 11-12 من الكتاب المشار إليه).
في هذه النقطة، يتم إسقاط تجربة دولة أوروبية صناعية ذات نخبة تقليدية وطبقة وسطى مُستقرة، على دولة شهدت احتلالاً خارجياً وانهياراً مؤسساتياً شاملاً. تبدو المقارنة غير متكافئة، وتُغفل السياق الدولي المختلف بين ما بعد الحرب العالمية الأولى (في حالة فايمار) وما بعد الغزو الأميركي للعراق في 2003.
ثانياً: تناقض في تحميل المسؤوليات
يعزو المؤلف أسباب سقوط جمهورية فايمار إلى:
أ- ضعف المؤسسات الديمقراطية.
ب- التضخم المفرط.
ت- شروط معاهدة فرساي الصارمة.
بينما يُحمِل السيد الفيلي مسؤولية الفشل في العراق بعد 2003 إلى الطائفية، والفساد، والمحاصصة. إذ يقول:
“واجه العراق بعد 2003 تحديات مشابهة من حيث ضعف الثقة في النظام، والمحاصصة، وتغول الفساد…” (الصفحات 41–43 من نفس المصدر ).
وهنا يظهر غياب التوازن في المقارنة؛ إذ تنسب أزمة فايمار إلى عوامل داخلية بنيوية، بينما تُختزل أزمة العراق في خليط من العوامل السياسية الخارجية والمحلية المعقدة، دون تفصيل كافٍ للعوامل البنيوية العميقة.
ثالثاً: الاستنتاجات المبنية على تشابهات شكلية
يستعمل المؤلف تعابير مثل:
“تشترك الجمهوريتان في وجود حالة هشاشة في النظام السياسي وصعود للتيارات الشعبوية” (الصفحة 37).
هذا التشابه يبدو إشكالياً، إذ يتجاهل الفروق الجوهرية في البنى المؤسسية والمجتمعية بين البلدين. كما أن افتراض أن الهشاشة المؤسسية هي جوهر الأزمة يفترض وجود مؤسسات قائمة أصلاً، وهو ما لا ينطبق على الحالة العراقية بعد 2003.
رابعاً: إغفال العوامل الإقليمية والدينية في العراق
لم يرد ذكر للطائفية أو للبنية الديموغرافية العراقية في المقارنة (الصفحات 36–44)، رغم أنها من المحددات الأساسية للسياسة العراقية ما بعد 2003.
لقد أصبحت الطائفية السياسية عاملاً بنيوياً في الحكم، لا مجرد انقسام اجتماعي، وهذه الحقيقة تمثل فارقاً جوهرياً عن تجربة فايمار التي لم تعرف مثل هذا النمط من التكوين السياسي. لذا، فإن تجاهل هذه العوامل يضعف من صلاحية الاستنتاجات المستخلصة.
خامساً: التناقض في تقييم دور النخبة
يشير السيد السفير إلى أن بقاء النخبة المحافظة داخل مؤسسات الدولة (خصوصاً العسكرية والإدارية) في جمهورية فايمار كان عائقاً أمام التحول الديمقراطي، حيث يقول:
“استمر العديد من النخبة المحافظة داخل جمهورية فايمار، مما حافظ على نفوذ كبير أعاق التحول الديمقراطي” (الصفحة 18 ).
أما في الحالة العراقية، فيُنظر إلى حل المؤسسة العسكرية بعد 2003 على أنه سبب رئيسي في انهيار الاستقرار:
“أدى حل الجيش العراقي بعد 2003 إلى فقدان الدولة لركيزة أساسية في فرض الاستقرار” (الصفحة 43).
تكمُن المفارقة في أن المؤلف ينتقد استمرار النخبة في الحالة الألمانية، بينما يأسف على تفكيكها في العراق. وهذا يعكس ازدواجية في تقييم دور المؤسسات المحافظة. كان من الأفضل مناقشة أثر هذه المؤسسات على كل من التحول الديمقراطي والاستقرار، لا تقييمها بناءً على النتيجة فحسب.
سادساً: ثغرة في المنهج المقارن
كتب المؤلف في الصفحة 12 من كتابه:
“نظراً للعديد من أوجه التشابه بين جمهورية فايمار ووضع عراق ما بعد 2003، فإن الهدف الأساس لهذه الورقة هو التأكيد على الدروس الرئيسة…”
ورغم اعترافه بوجود اختلافات جوهرية، إلا أن المقارنة تقفز مباشرة إلى استخلاص الدروس دون إثبات كافٍ لصلاحية المقارنة منهجياً.
سابعاً: انحياز سردي
من الملاحظ غياب أي تحليل جاد لدور الغزو الأميركي في انهيار الدولة العراقية. ورغم الإشارة إلى “الفاعل الخارجي” في الصفحات 36–44، فإن ذلك لم يُعالج كعامل تأسيسي، بل طغى تحميل النخبة العراقية كامل المسؤولية، في تبرئة ضمنية للتدخلات الأجنبية.
ثامناً: إشكالات دستور العراق 2005
رغم الجهد المبذول في تحليل دستور جمهورية فايمار وعيوبه، لم تُقابل هذه المعالجة بنقد موازٍ لدستور العراق 2005، الذي كُتب في ظل الاحتلال ويعد جزءاً من الأزمة. فقد ساهم في ترسيخ المحاصصة عبر نصوص غامضة تقنن تقاسم السلطة بين المركز والإقليم، وشرعن نوعاً من اللامسؤولية الجماعية من خلال مبدأ “التوافق” الذي يعطّل آليات المحاسبة.
استنتاج:
على الرغم ثراء السرد التاريخي الذي قدمه المؤلف حول جمهورية فايمار، فإن إسقاط هذه التجربة على الحالة العراقية ما بعد 2003 يعاني من إشكالات منهجية عدة. أبرزها غياب تفكيك الفوارق البنيوية بين السياقين، واعتماد تشابهات شكلية في النتائج، وتجاهل عوامل حاسمة كالتدخل الدولي والطائفية السياسية.
لقد تم توظيف مصطلحات مثل “الهشاشة”، و”الشعبوية”، و”ضعف المؤسسات” بطريقة توصيفية أكثر منها تحليلية، مما أضفى طابعاً رمزياً عاماً على المقارنة، وغابت الاعتبارات السوسيولوجية والديموغرافية التي تعد ضرورية لفهم الحالة العراقية.
في ضوء ما تقدم، أرى أن محاولة إسقاط تجربة جمهورية فايمار الألمانية قبل أكثر من قرن على الواقع العراقي بعد 2003 تنطوي على قدر من التبسيط المخل، وتغامر في تجاوز الفروق البنيوية والتاريخية والسياسية العميقة بين السياقين.
العراق لم يرث دولة مهزومة فحسب، بل شهد تفكيكاً جذرياً لكيانه السياسي والاجتماعي عبر تدخل خارجي مباشر، فيما نشأت جمهورية فايمار من رحم أزمة داخلية في دولة متماسكة البنية نسبياً. لذلك برأيي أن المقارنة كي تكون مجدية، لا بد أن تنطلق من منهجية دقيقة تراعي خصوصيات كل تجربة ، لا أن تكتفي بتشابهات شكلية في النتائج.
شخصياً ، أجد أن المقارنة بين الحالتين تفتقر إلى العدالة التحليلية، وتنتج ما يمكن أن نسميه ( التوازي المختل) . لا يكفي التشابه في المفردات لتأسيس مقارنة متماسكة ، فذلك يتطلب تفكيك الجذور وتحليل البنى. وهذا ما غاب عن الكتاب، رغم النوايا الطيبة التي يحملها المرلف.


