أوروبا تحرق جسورها مع العالم: ومع طهران تستمر القصة

أوروبا تحرق جسورها مع العالم: ومع طهران تستمر القصة
النص يحلل تفعيل أوروبا لآلية الزناد ضد إيران كدليل على تبعيتها لواشنطن، مشيرًا إلى تداعياته على الثقة والعلاقات الدولية. ويرى أن أوروبا، الغارقة في أزماتها الداخلية، مهددة بأن تصبح قوة ثانوية إن لم تستعد استقلاليتها...

•الية الزناد: تكشف ازمة اوروبا

لم يكن تفعيل الترويكا الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) لآلية “الزناد” ضد إيران – وهي آلية تسمح بإعادة فرض العقوبات الدولية – خطوة تقنية في ملف نووي جامد، بل لحظة سياسية كاشفة لأزمة أوروبا العميقة مع نفسها والعالم.

بهذه الحركة، أعادت أوروبا عقارب الساعة إلى ما قبل الاتفاق النووي 2015، وبعثت رسالتين واضحتين:

– واحدة إلى واشنطن مفادها أن القارة العجوز ما زالت حليفا منضبطا (مطيعا-خاضعا) يتبنى السياسة الأمريكية ولو على حساب مصالحه.

– وأخرى إلى طهران والعالم تقول إن جسور الدبلوماسية قابلة للحرق عندما يقتضي توازن القوى ذلك.

ظاهر هذه الخطوة هو:

– قيود تخصيب وملفات طرد مركزي.

جوهرها الحقيقي:

-عجزٌ عن صياغة موقف مستقل.

وانحناء أمام استراتيجيات أمريكية لم تعد تحسب أوروبا شريكا، بل ملحقا وتابعا ذليلا يعيد توزيع الكلفة.

فعندما انسحب ترامب من الاتفاق الشامل عام 2018، عجزت أوروبا عن حماية التزاماتها، فخسرت ثقة إيران وبقية الأطراف.

واليوم، بدل من ترميم الثقة المفقودة، تذهب اوروبا إلى القطيعة، وكأنها تعاقب نفسها قبل خصومها.

•رد طهران: الخيارات والتصعيد

رد طهران كان بحجم الرسالة:

–  لا تفاوض بلا التزام.

– ولا التزام بلا ضمانات حقيقية.

شراكاتها مع موسكو وبكين تتسارع، والخيارات التصعيدية مطروحة:

– من رفع سقف التخصيب.

– الى إعادة النظر في عضوية معاهدة منع الانتشار (NPT).

أوروبا، بسلوكها هذا، صنعت ما تزعم أنها تحاول تجنبه:

– زادت المخاطر وفتحت الباب أمام اصطفافات جديدة، معظمها خارج قدرتها على التأثير.

• النمط المتكرر: أوروبا والعالم

-مع روسيا: الدعم المطلق لاوكرانيا، العقوبات، مصادرة الأصول، والتسليح المالي أنهت أي أساس لعلاقة استراتيجية.

أوروبا الآن رهينة طاقة باهظة وصناعات متآكلة، فيما تستعيد موسكو أسواقها وتحول العقوبات إلى فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها مع آسيا وأفريقيا.

-مع الصين: ما سمّي بسياسة “خفض المخاطر” انزلق إلى حرب رسوم زاحفة.

أوروبا بحاجة إلى السوق الصينية لتبقى واقفة، لكنها تفتح معارك جمركية تفقدها الميزة وتستفز بكين إلى تحقيقات وضربات مضادة.

-في التجارة العالمية: “الرسوم الجمركية الخضراء” تعقّد علاقاتها، واتفاقات كبرى مع دول (ميركوسور) في أمريكا اللاتينية عالقة، فيما الجنوب العالمي ينسج شراكات أفقية بعيدا عن المحور الغربي.

– في أفريقيا والشرق الأوسط: فراغ النفوذ الأوروبي ملأته روسيا وتركيا وإيران وقوى محور المقاومة، بينما ازدواجية الخطاب في قضايا مثل غزة جرّدت أوروبا من رصيدها الأخلاقي حتى عند أقرب شركائها العرب.

• الإشكالية الأوروبية الداخلية

أوروبا لا تفشل لأنها تدافع عن مصالحها، بل لأنها تفعل ذلك بعصبية، دون أدوات، وبعقل سياسي يلهث خلف واشنطن أكثر مما ينصت لمصالحه.

والعوامل الداخلية تزيد المأزق، انقسامات بين شمال وجنوب، شرق وغرب، صعود يمين شعبوي (نازي) يكره التكامل، وضغط لوبيات اقتصادية صناعية تبحث عن النجاة لا الاستراتيجية.

•اخيرا

القارة العجوز أمام مفترق تاريخي:

–  إما أن تعيد بناء الجسور على أسس واقعية، بشراكات متكافئة، واستقلالية سياسية تعيد لها ثقلها.

– أو أن تواصل طريق “التحصن العدواني” الذي سيحولها إلى جزيرة عالية المعايير!!، فقيرة التأثير، محاطة بعالم يعيد ترتيب قواه بعيدا عنها، وربما ضدها.

حرق الجسور أسرع من بنائها، لكن النافذة الزمنية تضيق، فالعالم لا ينتظر، ومحاور القوة الجديدة – من الشرق الآسيوي إلى قلب محور المقاومة – تتحرك بخطى ثابتة.

أوروبا إذا لم تلتقط لحظتها الآن، فستجد نفسها، قريبا، قوة من الدرجة الثانية في عالم لا مكان فيه للمترددين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *