ما يطرح اليوم تحت عنوان “الحياد” أو “النأي بالنفس” يبدو، في ظاهره، خيارا عقلانيا يهدف إلى تجنب الكلفة.
لكنه، في الجوهر، يعكس إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الصراع نفسه، وبميزان القوى فيه.
فحين يكون النزاع بين طرف يمتلك تفوقا عسكريا ساحقا، وإسنادا دوليا واسعا، وشبكة دعم لوجستي وسياسي لا نظير لها، وبين طرف يتعرض لضغط مركّب سياسيا واقتصاديا وعسكريا، فإن الامتناع عن اتخاذ موقف لا يبقي المعادلة على حالها، بل يكرّس اختلالها لصالح الأقوى.
بهذا المعنى، لا يكون النأي بالنفس موقفا محايدا، بل فعلا ذا أثر تراكمي موجّه، فالصمت السياسي، والامتناع عن الإسناد، وتجميد المواقف، كلها أدوات تقرأ ضمن سياق القوة، لا خارجه.
ومن هنا، يصبح “النأي بالنفس” أقرب إلى إسناد غير مباشر للطرف الأكثر قدرة على الفعل، لأنه يخفّف عنه كلفة المواجهة، ويترك الطرف الآخر يواجهها منفردا في ميدان غير متكافئ.
الصمت في مواجهة الظلم ليس براءة من الموقف، بل هو اختيار ضمنيّ للمنتصر قبل أن تحسم المعركة.
هذه ليست مجرد مقاربة أخلاقية عاطفية، بل استنتاج تؤكده أدبيات الواقعية السياسية، وهذا ما أشار اليه وطوّره البروفيسور (جون ميرشايمر)، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شيكاغو، في نظريته عن الواقعية الهجومية، من “أن الدول التي تتهرب من تحمّل أعباء الصراع تجد نفسها خارج دائرة التأثير في التسويات التي تلي”.
-
الجغرافيا لا تعرف الحياد
ثمة من يعتقد أن موقعه الجغرافي بعيد بما يكفي عن مركز العاصفة، فيرى في الترقب خيارا آمنا، لكن الشرق الأوسط، بطبيعته الجيوسياسية، لا يتيح هذا الترف. فالمنطقة مترابطة اقتصاديا وأمنيا بصورة تجعل الحريق في جانب منها دخانا حتميا في الجانب الآخر.
إن من يتابع ديناميكيات هذا الصراع بعيونٍ استراتيجية يدرك أن المسألة لا تتعلق بدولة بعينها أو موقف آنيّ معزول، بل ترتبط ارتباطا عضويا بطبيعة التوازن الإقليمي المقبل:
– من يحدد قواعد الاشتباك؟
-من يمتلك قدرة الردع؟
-ومن يفرض إيقاع التحولات على الجميع؟
هذه الأسئلة لن يجيب عنها المتفرجون، بل سيتلقّون إجاباتها جاهزة من الفاعلين، وعلى عكس ما تروّجه بعض أطروحات الحياد، فإن الصراعات الكبرى لا تحترم الحدود الجغرافية التي يرسمها المترددون في أذهانهم.
والتجارب التاريخية الحديثة، من الحرب الباردة إلى تداعيات سقوط الدول، تؤكد أن موجات الصراع تميل دائما إلى التمدد، وأن من يظن نفسه خارجها اليوم قد يجد نفسه في قلبها غدا، ولكن بشروط أقل ملاءمة وأكثر إيلاما.
-
البعد الاستراتيجي – ماذا يعني انتصار طرف على آخر؟
يخطئ من يقارب هذا الصراع بوصفه نزاعا ثنائيا محدودا بين واشنطن وطهران، أو حتى مواجهة إقليمية عابرة، فالمشهد الاستراتيجي أعمق من ذلك بكثير.
ان ما يجري اليوم هو محاولة لإعادة رسم هندسة النظام الأمني الإقليمي برمّته، وتحديد من يمتلك ورقة الردع ومن يجرّد منها.
إذا نجحت القوى المعتدية في تفكيك قدرة إيران على الردع الاستراتيجي، فإن الفراغ الناتج لن يملأه “الاستقرار” الذي يتمنّاه المترددون، بل ستملؤه إعادة توزيع النفوذ وفق ميزان قوى جديد.
وهذا يعني، بشكل شبه حتمي، تمددا في النفوذ على مناطق كانت تقع ضمن الحدود التي رسمتها قدرة الردع الإيراني طوال العقود الماضية، بما فيها العراق وسوريا ولبنان واليمن.
أما على صعيد الاقتصاد العالمي، فإن إغلاق مضيق هرمز- حتى جزئياً أو بشكل متقطع – يلقي بظلاله الثقيلة على أسواق النفط العالمية، ويضرب صادرات دول الخليج والعراق في صميمها.
وتشير التقديرات في دوائر الطاقة إلى خسائر يومية قد تتجاوز ما يمكن احتماله على المدى المتوسط لأي دولة تعتمد على عائدات النفط بوصفها الركيزة الأساسية لاقتصادها.
في المقابل، إذا صمدت إيران وأفضى الصراع إلى طريقٍ مسدود أو تسوية متكافئة، فإن الطرف الذي آثر الصمت لن يحصد من ذلك أي رصيد استراتيجي، بل سيجد نفسه أمام إيران ذاتها التي يحتاج إلى علاقة وظيفية معها، ولكن برصيد ثقة استنزف في لحظة مفصلية.
-
التل ليس ملجأ – درس كربلاء
العودة إلى الاستعارة الكربلائية في هذا السياق ليست استدعاء عاطفيا أو تحريضا طائفيا، بل هو استحضار لنموذج الفرز الأخلاقي الحاد.
فهناك، لم يحاكم الناس على مواقفهم المعلنة فحسب، بل على صمتهم أيضا، وعلى اللحظة التي قرروا فيها أن الوقوف فوق التل خيار ممكن وآمن ومريح.
غير أن مسار الأحداث أثبت أن هذا الخيار لم يكن محايدا في نتائجه، بل أسهم – بشكل أو بآخر- في ترجيح كفة على أخرى، وقد دفع أصحابه الثمن لاحقا.
ثمة نمط تاريخي لافت يتكرر:
القوى التي تتبنى الحياد في مراحل التحول الكبرى تجد نفسها – بعد انتهاء الصراع – في مواقع تفاوضية أضعف مما كانت عليه قبله، لأن الفاعلين الذين صنعوا المشهد الجديد يجرون التسويات وفق معادلاتهم، لا وفق رغبات من آثروا المشاهدة.
أما الجانب الأكثر مرارة، فهو أن الحياد لا ينقذ من الأضرار الجانبية للصراع، بل يحرم أصحابه من حق التأثير في توجيهها أو حتى الاعتراض عليها.
ومن لا يجلس على طاولة صنع القرار، يجد نفسه على قائمة القرارات.
-
حسابات قصيرة الأمد… ثمنها طويل
كثير من الأطراف التي تتبنى خطاب الحياد تفعل ذلك انطلاقا من حسابات براغماتية مفهومة:
– تجنب الاستهداف.
-الحفاظ على الاستقرار الداخلي.
– عدم استفزاز شركاء اقتصاديين دوليين.
– أو انتظار اتضاح الاتجاه.
غير أن هذه الحسابات تفترض ضمنيا أن الصراع يمكن احتواؤه جغرافيا وزمنيا، وأن تداعياته لن تطال من يقف على الهامش – وهو افتراض نادرا ما يصمد أمام الوقائع.
والأخطر أن هذه الحسابات القصيرة الأمد تتجاهل سؤالا محوريا:
-ما الذي سيكون عليه وضع المتردد بعد انتهاء الصراع، بغضّ النظر عن نتيجته؟
فإذا انتهى لصالح القوى المعتدية، سيجد نفسه أمام إقليم أُعيدت فيه كتابة قواعد اللعبة من دون أن يكون له صوت، اما إذا انتهى بصمود الطرف المعتدى عليه أو بتسوية متكافئة، فسيقف أمام طرف لم يسانده في أحلك لحظاته.
في كلا السيناريوهين، تكون الكلفة الاستراتيجية للحياد أعلى من كلفة الانخراط المحسوب، والفارق أن كلفة الحياد مؤجّلة وتدفع في ظروف غير ملاءمة، بينما كلفة الانخراط مباشرة، تدفع مع احتفاظ صاحبها بالمبادرة.
-
الموقف الأخلاقي ليس ترفا… بل شرط بقاء
ثمة من يرى أن السياسة الواقعية لا مكان فيها للأخلاق، غير أن التجربة تظهر أن الأخلاق – في سياق العلاقات الدولية – ليست قيم مثالية وحسب، بل هي أداة تأثير وعنصر في بناء المصداقية والثقة الاستراتيجية، فالدول التي اتخذت مواقف واضحة في لحظات الحسم الكبرى خرجت – حتى وإن دفعت كلفة آنية – برصيد تفاوضي أعلى وحضور دولي أوسع.
وفي الحالة الراهنة، حيث تتصاعد الضغوط والاعتداءات على إيران ضمن سياق إعادة ترتيب الإقليم، تتجاوز المسألة حدود العلاقة الثنائية معها.
وما يقرّر اليوم هو:
– من يحق له امتلاك قدرة الردع؟
– من يقبل كطرف في معادلة الأمن الإقليمي؟
– ومن يهمَّش أو يستبعد؟
من هنا، فإن الموقف الأخلاقي -المنحاز لرفض العدوان – ليس ترفا فكريا، بل قد يكون شرطا من شروط البقاء السياسي والاستراتيجي، لان العالم يتذكر المواقف، كما تتذكرها الشعوب، وسيعاد بناء العلاقات على أساسها.
-
اخيرا: لحظة الفرز
اليوم، ومع تشكّل ما يمكن تسميته بـ “كربلاء العصر”، يتكرر الدرس ذاته بصيغة أكثر تعقيدا:
لا مكان آمنا فوق التل، لأن التل نفسه جزء من ساحة المعركة، وربما أول ما يستهدف حين تتصاعد حرارة الصراع.
ومن يختار الوقوف فوق التل لا يخرج من الصراع، بل يحدد موقعه فيه بطريقة غير مباشرة، وغالبا يكون أكثر كلفة وأقل عائدا.
وفي لحظات التحول الكبرى، لا يسأل الفاعلون عمّا فعلوه فقط، بل عمّا امتنعوا عن فعله حين كان الفعل ممكنا.
التاريخ لا يرحم المترددين، والجغرافيا لا تعفي المتفرجين، وبين الفعل والامتناع، تتحدد ملامح الشرق الاوسط وربما العالم القادم.


