إيران المجنونة

إيران المجنونة
حذرت إيران مسبقاً من رد مختلف عند الحرب، ومع اندلاعها ظهر نهج ردع قائم على التكلفة القصوى. يكشف الصراع أدواراً متناقضة لبعض دول الخليج مقابل حياد نسبي لعمان وقطر، مع بروز توازنات إقليمية جديدة...

في الكواليس الدبلوماسية التي تسبق الحروب والتحولات الكبرى، تقال أشياء كثيرة لكنها لا تكتب.

وفي إحدى تلك اللحظات النادرة التي يتحدث فيها المسؤولون بصدق بعيدا عن المايكروفونات، أطلق مسؤول إيراني رفيع تحذيرا موجزا لنظيره الخليجي مفاده:

ما رأيتموه حتى الآن هو إيران المسالمة الوديعة، أما إذا اندلعت الحرب فستكتشفون وجها آخر لم تعرفوه بعد.

اندلعت الحرب، والوجه الآخر بات واضحا للجميع.

  • حين يسقط الجدار

على امتداد السنوات التي سبقت الحرب، قدّمت إيران نفسها بوجه براغماتي متعدد المستويات:

– أبدت استعدادا كبيرا للمفاوضات رغم الغدر الذي تعرضت له.

– أبقت قنوات التواصل مع الخليج وغيره مفتوحة.

– تجنبت وحلفائها الإقليميين الانزلاق نحو المواجهة الشاملة.

وكان هذا هو الوجه الذي أراد العالم أن يراه، والذي أراد بعض المسؤولين الخليجيين أن يصدقوه.

غير أن ما جرى منذ بدء العدوان العسكري الأمريكي الإسرائيلي، كشف ان إيران، لم تكن تتصنع الاعتدال، بل كانت تدير ضغطا متراكما خلف جدار من الصبر المحسوب.

وحين سقط الجدار، لم تنهار إيران – بل انهار التصور الغربي والخليجي عنها، وبدت الاستجابة الإيرانية منذ اليوم الأول كاشفة عن بنية معدة سلفا لا عن ردة فعل مرتجلة:

– قيادة موزعة تعمل باستقلالية عالية.

– ودوائر اشتباك تتجاوز كل الحدود المتوقعة.

واستعداد راسخ لتحمّل كلف كانت تعدّ خطوطا حمراء في سيناريوهات ما قبل الحرب.

  • جنون أم عقيدة؟

ثمة خطأ منهجي يقع فيه كثير من المحللين (عربا وغيرهم) حين يصفون السلوك الإيراني بالجنون – فهم يقيسونه بمعايير عقلانية لا تنطبق على امة تحسب الكلفة بمعايير وجودية لا براغماتية.

والفارق بين الاثنين جوهري:

العقلاني يسأل “ما الذي أكسبه؟” أما الوجودي فيسأل “ما الذي يبقيني؟” وإيران ومنذ انتصار ثورتها تسكن في السؤال الثاني.

المفارقة الكبرى أن الغرب هو نفسه الذي ابتكر هذا التكتيك (اللاعب المجنون – Madman Theory)، وأتقنه نيكسون حين أوحى لخصومه بأنه قد يفقد السيطرة في فيتنام، وريغان حين بنى ردعه على غموض متعمد يربك الحساب السوفيتي، ابان الحرب الباردة.

والإيرانيون يعرفون هذا التاريخ جيدا، ويطبّقونه بأسلوبهم الخاص، فالجنون ليس انفلاتا بل رسالة مرمزة، مفادها أن كلفة مهاجمة إيران لا سقف لها، وأن أي معادلة ربح وخسارة لا تضع هذا في حسبانها هي معادلة حمقاء من الأساس.

وما نراه اليوم من إغلاق هرمز ودخول الحلفاء الإقليميين للإسناد (وحدة الجبهات)، إلى الاستعداد لاستيعاب الضربات والرد عليها في آن واحد، ليس جنونا، بل هو تطبيق منهجي لعقيدة الردع عبر التكلفة القصوى.

عقيدة تقول: دعوا خصومكم يشكّون في حدودكم، فالشك وحده يردع أكثر مما يفعل اليقين.

وحين تطبق هذه العقيدة من نظام وشعب يؤمن حقا بأنه في مواجهة وجودية، يتحول الجنون المتصنع إلى شيء أكثر خطورة: جنون حقيقي بحساب بارد.

  • ساحة بلا إرادة – وخيانة بلا اعتراف

أن الوجه الأكثر قذارة في هذا العدوان الذي تتعرض له الجمهورية الإسلامية لا يظهر في الجرائم التي يتعرض لها المدنيين في إيران، بل يبدو جليا في مكان آخر تماما، وهو المسافة الشاسعة بين ما تعلنه عواصم الخليج وما تحرّكه خلف الكواليس.

لم تكن دول مجلس التعاون طرفا رسميا في الحرب كما تدعي، كما انها لم تعلن عن موقف يستدعي العقاب الايراني.

ومع ذلك كانت ولا زالت أراضيها ساحة معركة فعلية – استهدف فيها الوجود الامريكي ومنشآت نفطية وغازية ومطارات وقواعد عسكرية، من الكويت شمالا حتى الإمارات جنوبا، ولم تسلم من هذا المصير إلا عمان، التي آثرت الحياد الصادق منذ البداية وجنت بصدقها استقرارا لم تعرفه جاراتها.

أن ما كشفته التقارير والتسريبات الصحفية الغربية يجعل المشهد أكثر قرفا، فبينما كانت الرياض وأبوظبي والمنامة تصدر بيانات تؤكد دعمها للحل السلمي وترفض استخدام أراضيها ومجالها الجوي، كانت في الوقت ذاته تحرّض واشنطن على شن الحرب، وتقدّم استمرار العدوان باعتباره فرصة استراتيجية لا تتكرر لكسر النفوذ الإيراني! إلى غير رجعة!

انها دويلات تشعل النار سرا وتصرخ من حرارتها علنا، وهذا ليس تناقضا سياسيا، بل هو نفاق ورهان مكشوف على حرب يخوضها الآخرون ويدفع ثمنها الجميع.

في المقابل، رسمت عمان وقطر خطا مغايرا، حين احتضنت مسقط مسارا تفاوضيا كاد أن يفضي إلى اختراق دبلوماسي قبيل اندلاع الحرب، فيما واصلت قطر دعمها للمسارات السلمية حتى حين كانت قاعدة العديد الجوية على أراضيها تتلقى الضربات الإيرانية، وهنا يكمن الفارق الجوهري في ان:

الحياد الحقيقي في بعض الأحيان هو الموقف الوحيد الذي لا يحرق أصحابه.

  • أخيرا

إيران المجنونة لم تولد من فراغ، بل ولدت من رحم حرب اختارها آخرون وأدارها آخرون، بينما راهن آخرون على نتائجها من خلف الكواليس، ظانّين أن الانكار سيقيهم دفع الثمن… ولم ولن يقهم!

ولن يكون السؤال الذي سيطرحه المؤرخون لاحقا: هل كانت إيران تملك هذا الوجه الآخر؟  لان الجواب معروف لمن أراد أن يعرف!

بل سيكون السؤال: من سمع هذا التحذير، وابتسم، وقال في سره: نعم، هذا بالضبط ما نريد؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *