تعيش الأمة الإسلامية في هذه الفترة من تاريخها حقبة من أسوأ الحقبات التي مرت بها في تاريخها الذي يناهز ١٤٥٠ عامًا. فلقد مرّت وانقضت مدة ١٣٥٠ عامًا، ولمائة سنة خلت، كانت الأمة الإسلامية تعيش صعودًا وهبوطًا، تغزو وتُغزى. وقد مرّت بفترات كانت الدنيا مظلمة على الرعايا المسلمين في مختلف الخلافات الإسلامية التي تعاقبت، بداية من فترة إقامة الرسول ﷺ لدولته في المدينة، وبعده الخلفاء الراشدين ــ بغض النظر عن الاختلاف في النظر إليها ــ مرورًا ببني أمية فالعباسيين والفاطميين والسلاجقة والمماليك والأيوبيين والزنكيين، وحتى المغول الذين جاءوا كعقاب من الله للبشر، فدخلوا البلاد الإسلامية بالسيف والنار والقتل وكمية مهولة من الوحشية والبربرية.
لكن الإسلام استطاع أن يغير عقيدة غالبيتهم ليدخلوا فيه، وقد تكون هذه سابقة في التاريخ: أن يعتنق الغازي معتقد من يغزوه ليقتله. لنصل إلى السلطنة العثمانية التي دامت ما يقرب من ستة قرون، وانتهت خلال الحرب العالمية الأولى بتخطيط وتدبير من دول الاستعمار الغربي، وعلى رأسهم بريطانيا وفرنسا، وبالطبع بدور كبير للصهيونية العالمية التي وضعت عينها على فلسطين. وكان لمصطفى كمال أتاتورك الدور البارز داخليًا في تحطيم العادات والأعراف والتقاليد الإسلامية وتحويل الخلافة الإسلامية إلى دولة أطلق عليها تركيا، وأصبحت دولة علمانية بإمتياز.
وبغض النظر عن بعض التجاوزات أو الخلافات في المعتقد أو الإساءة للرعايا عن قصد من الولاة أو عن غير قصد، فقد كان التسلسل من خلافة لأخرى هو السائد: فما أن تبدأ خلافة في الاندثار حتى تكون هناك خلافة أخرى تنشأ في مكان ما لتكبر وتتوسع. وهذا ما تعودت عليه الأمة الإسلامية طوال ثلاثة عشر قرنًا ونيف. وكانت العلاقة بين هذه الخلافات، التي وصلت أحيانًا في حكمها إلى أن تحكم ربع العالم وأحيانًا نصفه وأحيانًا أكثر من ذلك، علاقة تبادل: فالمواطن في هذه الدولة عليه واجبات من ضرائب وخلافه، وله حقوق من حماية داخلية وخارجية وعدل وقضاء.
كان لزامًا على أوروبا إنهاء الخلافة كي تستفرد بالأقطار كل على حدة. ولذلك حين تم للبريطانيين والفرنسيين والصهاينة زوال الخلافة في إسطنبول، لم يقبلوا أن يعلن الشريف حسين ــ الذي تحالف معهم على طرد وقتال العثماني ــ أنه الخليفة من مكة المكرمة التي كان واليًا سابقًا عليها، وأن يدعو القبائل لمبايعته. لذلك تم الاتفاق مع آل سعود الذين لم يكونوا يفكرون بمسألة الخلافة، بل فقط بملك للحجاز متوارث. أما الشريف حسين فقد نُفي، لأن أوروبا لم تصدّق أنها استطاعت أن تنهي الخلافة في تركيا لتقام غيرها في بلاد الحجاز. ولذلك لم يلتزموا مع الشريف حسين بالتعهد الذي أتفقوا عليه ، فقد أفزعهم بإعلانه عن نفسه خليفة.
آثار سقوط الخلافة
بالطبع، إن رعية بحجم الخلافات التي مرت تاريخيًا قد تعودت وتوارثت الأعراف والتقاليد للعيش في ظل نظام استمر منذ أقام رسول الله ﷺ دولته في المدينة. وقد أورثت الأجيال بعضها لبعض طريقة العيش هذه. ولذلك عندما استطاع الغرب إزالة فكرة الخلافة الشاملة وتوزيع ولاياتها إلى أقطار متفرقة، لم تتقبل الشعوب هذا التفريق بينها وبقيت لفترة في حالة ضياع .
لذا برز بعض الداعين إلى وحدة من نوع مختلف:
- ففي مصر برزت الناصرية كمنادية بالوحدة العربية.
- وفي سوريا والعراق برز ميشال عفلق وحزبه البعثي المنادي أيضًا بالأمة العربية.
- وفي سوريا كذلك كانت لأنطون سعادة فكرة تحولت إلى الحزب السوري القومي الذي نادى بسوريا الكبرى.
وهكذا دواليك.
وبالطبع كان هناك بروز للفكر الديني بشقيه:
- السني المتمثل بالجماعات الإسلامية على أنواعها.
- الشيعي المتمثل بالأحزاب والحركات الإسلامية الشيعية.
ولكن المشكلة الأكبر كانت في نجاح الغرب في تفرقة الأقطار العربية والإسلامية وزرع بذور الفتنة والعنصرية بين الشعوب، حتى أصبح كل قطر ينادي بالعصبية الخاصة ببلده، وعلمه، وحدوده، وقوانينه. حتى أصبح لزامًا على كل مواطن يبتغي زيارة قطر آخر الاستحصال على تصريح قانوني (فيزا) من سفارة ذلك البلد، بعدما كنا ولمدة ثلاثة عشر قرنًا ونيف نتجول في كل بلاد الخلافة دون حدود أو أوراق تطلب منا.
التفرقة بأشكالها
طبعًا هذه ليست المشكلة الوحيدة، بل انتقلت التفرقة إلى أشكال متعددة:
- من دينية: كشيعة وسنة ودروز وعلويين وأيزيديين ومسيحيين وغيرهم.
- ومن قومية: كأكراد وعرب وفرس وترك.
وكل يتعصب لما هو فيه.
أسئلة وجودية
الآن تُطرح الأسئلة:
- هل كان بقاء الخلافة أفضل بحسناتها وسيئاتها؟
- أم الأوضاع التي نحن بها اليوم من تفرقة أفضل؟
- أم هل يجب السعي لعودة فكرة الخلافة الجامعة لكل المشارب على تنوعها رغم الصعوبات الجمة لهكذا طرح؟
بصراحة، لا أستطيع وحدي أن أجيب على كل هذه الأسئلة الوجودية. ولكن التاريخ يخبرنا أنه عندما كان هنالك خلافة أو ترابط بين بعض البلدان، فقد كان بالإمكان مجابهة الاعتداءات المتكررة من صليبيين ومغول وتتار وبيزنطيين، كمعركة بدر واليرموك وحطين وخيبر وموهاكس وعين جالوت وملاذكرد وغيرها.
ولكن في نفس الوقت، كان سفك الدم هو العرف المتبع بين زوال خلافة وبروز أخرى، كما حصل بين الأمويين والعباسيين وغيرهم.
بالطبع، هذه أسئلة وجودية: هل لها أجوبة؟ أو الأصح: هل نستطيع كأفراد أو مجتمعات أن نتفق على إجابة واحدة؟


