من منا من لا يبحث عن مصالحه، فمنذ أن بدأ الإنسان أولى خطواته في دروب الحياة، ظلّ يبحث عن مصلحته قبل أي شيء آخر. فالغريزة الأولى التي تتحكم في قراراته هي غريزة البقاء، ثم يأتي بعدها كل شيء: العائلة، المجتمع، الدولة، بل وحتى الدين. ولا يمكن إنكار أن مصلحة الفرد – في صورتها الأولية – هي ما يدفعه للسعي والكدّ، لكنها حين تنغلق على ذاتها تصبح سجناً أخلاقياً واجتماعياً يقطع جسور التلاقي بين الناس.
إنّ ما نراه اليوم في مجتمعاتنا يؤكد هذه الحقيقة؛ فالغالبية تبحث عن منفعتها الخاصة، حتى لو كان الثمن هو تراجع المصلحة العامة. الموظف يفكر في راتبه قبل أن يفكر في جودة الخدمة التي يقدمها، والسياسي يخطط لمكاسبه قبل أن يضع الوطن في ميزان الاعتبار، والتاجر يسعى إلى الربح ولو على حساب ثقة الناس بسلعته. وهكذا تتفتت المنظومة الأخلاقية لأن المصالح الجزئية تُقدَّم على القيم الكبرى.
لكن الأخلاق لا تُلغِي المصلحة، بل تُهذِّبها. فهي لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن ذاته أو عن احتياجاته، إنما تطلب منه أن يوازن بين “الأنا” و”النحن”، بين ما يريد هو وما يحتاجه الآخرون. المجتمع لا يبنى على أنانية الأفراد، بل على تفاعلهم الإيجابي، وعلى شعور كل واحد منهم أن مصلحته لن تكتمل إلا في إطار المصلحة المشتركة. وهذا ما يجعل التعاون قيمة، والعدالة معياراً، والإيثار ذروة الأخلاق.
المعادلة الحقيقية التي نحتاجها هي أن ننتقل من المصلحة الفردية الأنانية إلى المصلحة الجماعية الذكية. فحين يُقدِّم الإنسان مصلحته على نحو متوازن، لن يخسر شيئاً، بل سيكسب مجتمعاً متماسكاً يردّ له الخير أضعافاً مضاعفة. وحين يعي السياسي أن مصلحته في خدمة وطنه، لا في تدميره، فإنه سيحصل على الشرعية الحقيقية التي لا تُشترى بالمال ولا تُفرض بالقوة.
إنها معركة وعي قبل أن تكون معركة سياسات. ووعي الناس هو أن يضعوا مصالحهم الخاصة في سياق أوسع: سياق أخلاقي وإنساني ومدني. فالمجتمع الذي لا يربّي أبناءه على هذه القاعدة محكومٌ عليه أن يبقى في دائرة الصراع على الفتات، بينما المجتمعات التي رفعت المصلحة العامة إلى مستوى القيمة صارت دولاً متقدمة، مستقرة، وراسخة في وجدان التاريخ.
فالمصلحة إذن، ليست عيباً ولا خطيئة، إنما هي طاقة حيّة، علينا أن نحسن إدارتها وتوجيهها. والفرق بين مجتمع متصدّع وآخر متماسك يكمن في جملة واحدة: كيف نفهم مصالحنا، وكيف نُترجمها إلى أخلاق مشتركة؟


