لطالما كنت أكرر هذا الدعاء الافتتاحي فحين نقرأ هذا الدعاء الموروث عن الإمام المهدي «اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله»، ندرك أننا لسنا أمام مجرد طلب روحي أو دعاء فردي، بل أمام رؤية كونية تتصل بغاية الخلق ومنظومة القيم الكبرى التي أرادها الله للإنسان والمجتمع والدولة. إن هذا الدعاء لا يحدد فقط ملامح الدولة المرجوة، بل يضع إطارًا فلسفيًا وأخلاقيًا عميقًا، ينسجم مع مشروعنا في بناء الدولة المدنية الذكية السيادية النابضة.
الدولة الكريمة ليست دولة الموارد أو المؤسسات وحدها، بل هي دولة تتأسس على قيمة الكرم باعتباره المنبع الأول لكل الفضائل. فالكرم ليس عطاءً ماديًا فحسب، بل هو انفتاح في الروح، وثراء في الوجدان، وسخاء في العلاقات الاجتماعية والسياسية. الإنسان الكريم لا يضيق بالآخر، ولا يتعصب لهويته الضيقة، بل يرى في المشاركة والتعدد قيمة مضافة لحياته ومعناه. ومن هنا، تصبح الدولة الكريمة دولة تنتج مجتمعًا كريمًا، يقاوم الأنانية، ويواجه الطمع، ويعيد الاعتبار للفضائل كقوة منتجة للاستقرار والازدهار ولذلك ستجد الكرم صفة ملاصقة ل الله كريم ول القرآن الكريم ول الرسول الكريم.
ولعل من أهم الدلالات أن الإمام لم يقل «دولة إسلامية» ولا حتى «دولة عادلة». فكلمة «إسلامية» كانت ستختزل الدولة في إطار هوياتي ضيق، بينما «عادلة» كانت ستعبر عن بعد واحد من أبعادها. لكنه قال «كريمة»، لأن الكرم يشمل العدل والرحمة والتسامح والإنصاف، ويضيف إليها أفقًا إنسانيًا أرحب، يتجاوز حدود الأديان والأفكار إلى القيم النابضة التي يتشاركها البشر جميعًا.
كما أنه لم يقل «المسلمين»، بل قال «الإسلام وأهله». فالمسلم قد يكون بالهوية، بينما «أهل الإسلام» هم من تجسدت فيهم قيم الإسلام الكبرى: العدل، الصدق، الأمانة، الرحمة. هؤلاء هم الذين يُعَزّون بالدولة الكريمة. في المقابل، لم يقل «الكفر» ولا «الإلحاد»، بل قال «النفاق وأهله». لأن الكفر والإلحاد مواقف فكرية قد تُناقش وتُحاور، بينما النفاق هو الخطر الأخلاقي الأكبر، لأنه يجمع بين الازدواجية والخيانة والتظاهر بالقيم مع ممارسات الرذيلة. أهل النفاق هم منبع كل الرذائل، لأنهم يقوّضون الثقة، ويزرعون الانقسام، ويحوّلون المجتمع إلى جسد منهك بالشكوك والخديعة.
هكذا يضع الدعاء معالم الدولة الكريمة كدولة قيمية في جوهرها، تعيد الاعتبار للإنسان في إنسانيته، وتبني على أساس أخلاقي لا ينفصل عن البنية المدنية والسيادية. وحين نقول في مشروعنا الدولة المدنية الذكية السيادية النابضة، فإننا نستلهم ذات المعنى: مدنية لأنها تتجاوز العصبيات الدينية والمذهبية، ذكية لأنها تُدار بالعلم والمعرفة، سيادية لأنها مستقلة القرار، نابضة لأنها متصلة بالزمن الداخلي وبإيقاع القيم.
إن الدولة الكريمة التي نرنو إليها ليست وعداً مؤجلاً في الغيب، بل هي إمكان واقعي إذا ما وعينا أن الكرم هو المنبع الأول لكل منظومة الفضائل التي تبني الإنسان والمجتمع. فبغير الكرم ينهار العدل ويتحول إلى صرامة جامدة، وتفقد الحرية معناها لتغدو فوضى، ويتحول الإيمان إلى شعارات خاوية. الكرم هو الذي يمنح السياسة روحها، والاقتصاد إنسانيته، والعلم رسالته، والمجتمع تماسكه.
وفي مشروعنا لبناء الدولة المدنية الذكية السيادية النابضة، فإننا نستلهم هذا المعنى العميق: دولة مدنية تحرر المواطن من سطوة العصبيات وتعيد تعريف الانتماء على قاعدة المواطنة، ودولة ذكية تُدار بعقول علمية وبنية معرفية متطورة، ودولة سيادية لا تخضع لإرادة الخارج بل تنبض بقرارها الحر، ودولة نابضة تجعل من الزمن الداخلي معيارًا للحركة والإنتاج والتجدد. هذه الدولة هي تجسيد معاصر لمعنى الدولة الكريمة، حيث تُعزّ القيم وأهلها، ويُذلّ النفاق وأهله، وتُفتح أمام الإنسان أبواب الخلق والإبداع.
إن مشروعنا ليس بحثاً عن سلطة ولا صراعاً على هوية، بل هو سعي لتأسيس دولة تتناغم مع الهدف الأساسي من الخلق بكل نبضه، وتعيد للعراقي كرامته، وللعراق مكانته، وللإنسان إنسانيته. تلك هي الدولة الكريمة التي نريدها واقعاً نابضاً في حياتنا، لا مجرد دعاء على الألسن.


