أغلب الظن أن هذا هو أخطر مقال كتبته لذلك حاولت أن أخفف لهجته وأرفع منه ما يستفز الآخر الذي أتحدث عنه ولكنني مع ذلك وجدت من مسؤوليتي الوطنية ومادمنا نعمل في المبادرة الوطنية للإصلاح أن نفتح هذا الملف على مصراعيه إذ لا تبدأ الحكاية من خطابٍ مرتفع أو شعارٍ صارخ، بل من اختلالٍ عميقٍ في ميزان الدولة، اختلالٍ سمح لطبقةٍ قليلة العدد، كثيفة الأثر، أن تتموضع في قلب القرار، وأن تتوزع على مفاصل القوة الظاهرة والخفية، حتى غدت تتحكم بإيقاع المشهد السياسي والأمني والاقتصادي والإعلامي معًا. هذه الطبقة التي اصطلح على تسميتها بالشعبويين لم تعد ظاهرة صوتية عابرة فحسب، بل أضحت منظومة متكاملة تعرف كيف تُمسك بخيوط اللعبة، وكيف تعيد إنتاج نفسها في كل مرحلة، وكيف تحوّل الأزمات إلى فرص، والاضطراب إلى موردٍ دائمٍ للبقاء.
والمدهش أن هذه المنظومة، على الرغم من محدودية قاعدتها العددية، استطاعت أن تفرض حضورها في السلطات الثلاث، وأن تمتد خارجها إلى سلطاتٍ موازية لا تقل تأثيرًا، سلطة السلاح المنفلت، وسلطة الإعلام الموجَّه، وسلطة المال الذي يتحرك في الظل والعلن، حتى بدا المشهد وكأن الدولة لم تعد تحتكر أدواتها، بل تشاركها قوى تعرف كيف تستثمر القانون حين يخدمها، وتستثمر غيابه حين يعيقها، وتتنقل بين الدولة واللادولة بخفةٍ تكشف عن خللٍ بنيوي لبناء شاهق.
وفي هذا السياق، لا يُدار الخلاف بوصفه اختلافًا مشروعًا داخل وطنٍ واحد، بل يُدفع إلى أقصى درجات التوتر، حيث تُفتح أبواب التخوين على مصاريعها، وتُلقى التهم بلا بيّنة، ويُستبدل الحوار بالتهديد، والحجة بالضجيج، والعقل بالغوغاء. وإذا ما اقترب النقاش من كشف العطب، ارتفعت الأصوات حتى تُخنق الحقيقة في زحمة الصراخ، وإذا ما أحرجهم المنطق، احتموا بما هو أخطر، بسلاحٍ لا يعترف بدولة، ولا يقيم وزنًا لقانون، ولا يرى في الدم العراقي إلا رقمًا يمكن تجاوزه في معادلة البقاء.
هذه ليست سلوكيات طارئة، بل تعبير عن بنيةٍ ترى في التعدد خطرًا، وفي الشراكة ضعفًا، وفي الدولة قيدًا يجب التحايل عليه أو تفريغه من مضمونه. ومن هنا يتحول المواطن، في خطابهم وممارستهم، إلى أداة تعبئة لا إلى غاية، إلى جمهورٍ يُستدعى عند الحاجة ويُهمَل عند الحساب، إلى صوتٍ يُرفع حين يُطلب التصفيق ويُكتم حين يُراد الاعتراض. أما الوطن، فيغدو مساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات، أو ساحةً لتصفير الأزمات القادمة من خارج حدوده.
ولأن كل ظاهرةٍ تحمل داخلها ما يفسر استمرارها، فإن الشعبوية في العراق لم تقم على العاطفة وحدها، بل على شبكة مصالح دقيقة ومتشابكة، تجعل من بقاء الوضع القائم شرطًا لبقاء من يديرها. وهنا تتكشف الطبقة المستفيدة التي تدرك، بوعيٍ كامل، أن نفوذها السياسي، وامتيازاتها المالية، وحضورها السلطوي، كلها مرتبطة باستدامة هذا الخلل، ولذلك تقاتل دونه لا بوصفه خيارًا فكريًا، بل بوصفه ضرورة وجودية. فهذه الطبقة تعرف أن أي استقرارٍ حقيقي، وأي دولةٍ قادرة، وأي قانونٍ نافذ، يعني تلقائيًا انحسار دورها، وانكشاف حساباتها، وتلاشي قدرتها على التحكم بالمشهد.
ولكي تحمي هذا الواقع، لا تكتفي بالسيطرة على أدوات القوة، بل تصوغ خطابًا قادرًا على تعبئة جمهورٍ واسع، خطابًا يتكئ على مفردات تبدو في ظاهرها نبيلة، كالإنسانية، والوفاء، وردّ الدين، والدفاع عن الدين والمذهب، ومقاومة الاحتلال، بيد أن هذه المفردات، في كثيرٍ من الأحيان، تُستدعى لتؤدي وظيفة مختلفة تمامًا، وظيفة الحشد والتجييش، وإغلاق المجال أمام أي نقاش عقلاني، وتحويل السياسة إلى معركة هوية لا تقبل المراجعة ولا تحتمل السؤال.
وبين هذه الطبقة المستفيدة، تقف فئة أخرى تُدفع إلى الواجهة بوصفها القاعدة الاجتماعية، فئة تُغذّى بخطابٍ عاطفي متواصل، وتُستدرج إلى تبني مواقف حادة دون أن تمتلك أدوات التفكيك والتحليل. وهذه الفئة لا يمكن اختزالها بحكمٍ تبسيطي، لأن حضورها مرتبط ببيئةٍ تعليمية وإعلامية وثقافية تعاني من خللٍ واضح، حيث يتراجع دور المعرفة، ويعلو صوت الإثارة، وتُستبدل الحقيقة بالرواية، والتحليل بالتحريض، فينشأ وعيٌ مشحون، سريع الاستجابة، بطيء المراجعة، قابلٌ لأن يُقاد أكثر مما هو قادر على أن يقود.
وهنا تكمن المفارقة الثقيلة، فالشعبويون يرفعون شعاراتٍ كبرى، لكنهم، في عمق الممارسة، ينفصلون عنها، يتحدثون عن الإنسان وهم يضغطون عليه، يتغنون بالوطن وهم يرهقونه، يستحضرون القيم وهم يفرغونها من مضمونها، حتى يغدو الشعار غطاءً، وتغدو القيمة أداة، ويغدو الخطاب وسيلةً لإدامة واقعٍ يعرفون يقينًا أن زواله يعني زوالهم.
ومن هذه الزاوية، لا يعود المشهد صراعٍا سياسيا فحسب، بل يتحول إلى معركة على تعريف الدولة نفسها، هل تكون دولةً تحتكر قرارها وأدواتها، أم ساحةً مفتوحة لتنازع القوى وتضارب الولاءات؟ هل يكون القانون فيها مرجعًا أعلى، أم ورقةً قابلة للتعطيل والتأويل بحسب موازين القوة؟ هل يكون المواطن فيها مركز الاهتمام، أم هامشًا يُستدعى ويُهمَل وفق مقتضيات اللحظة؟
إن العراق، وهو يقف عند هذه الحافة، لا يحتاج إلى توصيف الأزمة بقدر ما يحتاج إلى شجاعة فتح هذا الملف دون مواربة، لأن بقاء الشعبوية على هذا النحو يعني استمرار استنزاف الدولة، وإدامة القلق في المجتمع، وتأجيل أي أفقٍ للاستقرار الحقيقي. والمعالجة لا تبدأ بالشعارات، بل بإعادة الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها المرجع الأعلى الذي لا يعلوه سلاح، ولا ينافسه إعلام، ولا يبتزه مال، وببناء منظومة قانونية تجرّم التخوين المسلح، وتضبط الخطاب العام، وتمنع تحويل السياسة إلى ساحة ترهيب.
كما أن المعركة، في جانبها الآخر، معركة وعي، معركة تستعيد مكانة التعليم، وتعيد للإعلام دوره المهني، وتفتح المجال أمام خطابٍ عقلاني قادر على تفكيك التضليل، وتحرير الفرد من أسر التعبئة المستمرة. لأن المجتمع الذي يُترك بلا أدوات معرفة، يصبح عرضة لأي خطابٍ مرتفع، وأي شعارٍ جذاب، وأي دعوةٍ تتلبس لبوس الحق وهي تسير به إلى غير وجهته.
ولا محيص من القول إن العراق لا يُبنى بضجيج الشعبويين، ولا يستقيم بصراخهم، ولا ينهض تحت ظل سلاحهم وخطابهم، بل يمضي إلى حيث ينبغي له أن يكون يوم يسترد قراره، وتستعيد الدولة هيبتها، ويستعيد المواطن ثقته، ويُعاد تعريف السياسة بوصفها إدارةً رشيدةً للمصالح لا ساحةً مفتوحة للغلبة والهيمنة. هناك، فقط، يتراجع هذا الداء، ويبدأ الوطن في استعادة عافيته بين الأمم.


