في خضم السعي الإصلاحي الذي تخوضه المصارف، وبعد تجاوزها عقبة رأس المال والمدد الزمنية التي مثلت الهاجس الأول، تبرز الحاجة الأكثر جوهرية وعمقاً، بل تتغلغل في صميم العمل المصرفي اليومي، والمتعلقة بالكادر البشري.
فمهما كانت متانة الوثيقة الإصلاحية التي أعدتها شركة عالمية متخصصة في وضوح أهدافها، ومهما كانت دقة القوانين والأنظمة، تبقى قدرة المؤسسات على تنفيذها مرهونة بالكفاءة البشرية التي ستحمل هذه الأعباء وتترجمها إلى واقع ملموس.
أهمية الكادر البشري المؤهل
وهنا تصبح حتمية إدخال الكادر المصرفي بكافة مستوياته، ومنها القيادة العالية للمصارف، في دورات تدريبية متخصصة كضرورة إستراتيجية لا تقل أهمية عن رفع رأس المال، بل هي الضامن الوحيد لاستدامة رأس المال ونموه.
إن وثيقة إصلاحية تهدف إلى جعل المصارف العراقية تواكب المتغيرات، وتعمل وفق ما معمول به في الدول المتقدمة، كما ذكرت، تتطلب بالضرورة كادراً يفهم فلسفة هذه المتغيرات ويتقن أدوات العمل في تلك الدول. فلا يمكن لمصرف أن يطبق معايير بازل على سبيل المثال أو يدير مخاطره بصورة حديثة، أو يواكب الثورة المالية التقنية، بكوادر لم تتلقَ التدريب الكافي على هذه المفاهيم، التي لم تكن موجودة أساساً في المناهج الأكاديمية القديمة.
برامج تدريبية شاملة مطلوبة
ولذلك، يجب أن تتجه الأنظار نحو المركز التدريبي لرابطة المصارف الخاصة العراقية، ليكون رأس الحربة في خوض هذه التجربة التطويرية، ولا ينبغي أن يقتصر دور هذا المركز على دورات أساسية متفرقة، بل يجب عليه أن يطلق برنامجاً طموحاً وشاملاً يعيد تأهيل الصناعة المصرفية من جذورها، بحيث يجب أن يتضمن هذا البرنامج:
أولاً/ دورات متخصصة في إدارة المصارف الحديثة تركز على الحوكمة، وإدارة المخاطر المالية والتشغيلية، والالتزام بمتطلبات البنك المركزي الدولية والمحلية، وإستراتيجيات التسويق المصرفي المعاصر، وإدارة العلاقة مع العملاء في العصر الرقمي.
ثانيا/ ورش عمل حول التحولات الرقمية لشرح أهمية التحول من العمل التقليدي إلى المصرفية الإلكترونية، وكيفية إدارة عملية التحول الرقمي، وتأمين القنوات الرقمية، وتجربة المستخدم، مما يضمن سد الفجوة الرقمية بين المصارف العراقية ونظيراتها العالمية.
ثالثا/ برامج مكثفة لتعليم تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاتها المصرفية، وهذا هو لب التحدي والفرصة في الوقت ذاته. ويجب أن يتعلم الكادر كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الضخمة لتقييم الجدارة الائتمانية للعملاء، وكيف يعمل في مكافحة الغش والاحتيال المالي، وكيف يمكن أن يسهم في تطوير منتجات مالية مخصصة وأتمتة العمليات لخفض التكاليف وزيادة الكفاءة. إن استثمار الوقت والمال في بناء مهارات حديثة للعاملين في القطاع المصرفي هو استثمار لضمان نجاح أي وثيقة إصلاحية حاضراً ومستقبلاً. إنه الضمانة من الخسائر المضاعفة التي حذر منها المختصون، لأن الكادر المؤهل هو من سيتجنب الأخطاء المكلفة، ويواجه المتغيرات بثقة، ويضمن أن يكون الإصلاح حقيقياً وجذرياً وليس شكلياً وقائماً على الورق فقط.
إن التحدي القادم ليس تحدياً مالياً أو قانونياً فحسب، بل هو تحدٍ تعليمي وتقني وبشري في المقام الأول، وإن إهمال هذا الجانب سيجعل من أي إنجاز تحقق على صعيد رأس المال أو القوانين إنجازاً هشاً، لذا، فإن المسؤولية الأخلاقية والمهنية التي نحملها تدفعنا جميعاً للمطالبة بأن يكون تدريب وتأهيل الكوادر البشرية هو المحور الأساسي في المرحلة المقبلة من رحلة الإصلاح، ليكتمل المشروع ويؤتي ثماره المرجوة لاقتصاد البلد .
وإذا كانت هناك كلمة لابد من قولها، فإن للرابطة ومركزها القدرة على جذب الكفاءات التدريبية عالية الدقة ولها تجارب مشهودة .


