لا يستقيم الحديث عن الوجدان المشرقي من دون الانحناء إجلالاً أمام الفكر الماروني،
ذلك العقل الذي لم يكن يوماً نتاجاً جغرافياً عابراً، بل تجلياً عميقاً للصمود في وجه أعاصير التاريخ وتحولاته القاسية.
لقد شكّل العقل المسيحي، وتحديداً العقل الماروني،
حالة فريدة في محيط شهد أنظمة شمولية حاولت صهر التنوّع في بوتقة أحادية ضيقة.
ومع ذلك، استطاع هذا العقل أن ينحت لنفسه كياناً سيادياً عصياً على الذوبان، وأن يحوّل ندرة العدد إلى فائض في القيمة الحضارية والإبداعية.
العقل الماروني ودوره الحضاري في المشرق
إن الإعجاب بهذا العقل لا ينبع من اعتبارات طائفية ضيقة،
بل من قدرته على التحول من أقلية مهددة إلى مركز إشعاع فكري وحضاري.
فقد قاد هذا العقل مسارات النهضة في ميادين الطب والتعليم والدبلوماسية والسياسة،
وأسهم في صناعة تجربة فريدة في الحريات وسط محيط مثقل بالرتابة والانغلاق.
ومن هنا، يصبح الحفاظ على ألق هذا العقل واجباً وجودياً يتجاوز التخندقات الطائفية،
لأنه يرتبط بجوهر التجربة المشرقية وبمعنى التنوع الذي صنع هوية هذه المنطقة.
رسالة إلى السيد طوم حرب
من هذا المنطلق، يا سيد طوم حرب، أجد لزاماً عليّ أن أصارحك بأن خطابك الراهن تجاه إيران لا يعكس جوهر هذا العقل المتألق،
بل يبدو وكأنه استقالة منه لصالح نزعة انفعالية تعطل الرؤية الاستشرافية.
إن ممارسة السياسة بلغة دعائية لا تخدم الحقيقة، بل تسيء إلى الوعي العام. فالنقد المستمر لإيران،
حين ينفصل عن فهم تموضعات القوى الكبرى من واشنطن إلى الفاتيكان، يتحول إلى قراءة ناقصة لكيان مركّب لا يمكن اختزاله في صور إعلامية جاهزة.
إيران بين الصورة النمطية والحقيقة المركّبة
لقد كنت، في مرحلة سابقة، أسيراً لصورة شائعة اختزلت إيران في ترسانة عسكرية وتصدير للمقاتلين.
غير أن الحوار مع كبار رجالات الكنيسة فتح أمامي باباً لاكتشاف المسكوت عنه في تاريخ إيران،
ودورها في حماية التنوع الإثني والديني، وصولاً إلى حماية اليهود أنفسهم عندما كانوا مضطهدين.
ومن خلال دراسة المنظومة الفكرية للإمام الخامنئي،
بدت إيران أمامي أكثر تعقيداً وعمقاً مما تقدمه الخطابات السطحية.
فهناك رؤية تعتبر النظام العالمي مجالاً لحماية القيم الإنسانية،
لا مجرد ساحة حرب أو دعوة دينية ضيقة، وذلك عبر مفهوم ردع الحرب وصون تنوع الحضارات.
الجمهورية الإسلامية بوصفها تجربة فكرية
إن ما نطلق عليه اسم الجمهورية الإسلامية هو، في جوهره الفلسفي،
أقرب إلى جمهورية علوية تستلهم عبقرية الإمام علي بن أبي طالب في الحكم والعدالة والإنسانية.
فإيران لم تعتنق إسلاماً منغلقاً على القراءة السلفية الصحراوية،
بل حملت الإسلام المحمدي بروحانية مشرقية وفلسفة كونية.
وهذا ما يفسّر الوشائج العميقة بين الفكر الشيعي والوجدان المسيحي،
لا بوصفها تحالفاً سياسياً عابراً، بل تقاطعاً في الجوهر القيمي والإنساني.
إيران والمسيحية: تقاطع القيم لا صدام الهويات
إيران، بوصفها وريثة إمبراطوريات عريقة أسهمت في صياغة نواميس الفكر،
وجدت في فلسفة الإمام علي تقارباً روحياً مع بنيتها الحضارية.
لذلك لا يبدو مستغرباً أن يُنظر باهتمام إلى تنامي الحضور المسيحي وترميم الكنائس الأثرية في إيران،
في الوقت الذي كانت فيه قوى ظلامية أخرى تحطم التاريخ والجمال في مناطق متعددة.
إن العلوية الإيرانية، بالمعنى الفكري والقيمي، تلتقي مع المسيحية في الكثير من المساحات الإنسانية العميقة،
وكأن الإسلام الأصيل جاء ليكمل رسالة يسوع في بعدها الأخلاقي، وكأن إيران اليوم تستكمل مسيرة الإمام الفيلسوف علي بن أبي طالب.
بين المسيحية والتشيع: البحث عن المشابهات
إن تحدي المعرفة الحقيقي لا يكمن في تضخيم المتناقضات، بل في اكتشاف المشابهات.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المساحات المشتركة بين المسيحية والمذهب الشيعي،
في أبعادهما الطقوسية والإنسانية، أعمق بكثير مما يروّج له خطاب الانقسام.
يكفي التأمل في دعاء كميل للإمام علي لإدراك عمق المناجاة لرب العالمين، بوصفه إلهاً كونياً لا يحده معتقد أو انتماء ضيق.
وهذه الروح ذاتها نجدها في سورة الفاتحة التي تعلن الله رباً للعالمين، لا لفئة بعينها.
أزمة الخطاب الإعلامي واختزال إيران
يا سيد طوم حرب، إن معركتي الفكرية لم تكن فقط مع الخطاب المعادي لإيران،
بل أيضاً مع الإعلام الشيعي العربي الذي غيّب الكثير من المصطلحات الفلسفية للإمام علي،
ظناً منه أن الاقتراب من الخطاب العربي التقليدي يمنحه موقعاً أوسع في المنطقة.
غير أن جوهر الخلاف التاريخي بين الإمام علي والمنظومات السائدة لم يكن خلافاً سياسياً عابراً،
بل خلافاً فكرياً ووجودياً؛ لأنه لم يكن أسير الفكر القبلي ولا الأحكام العشائرية.
ومن هنا، فإن مشكلتي مع خطابك، كما مع بعض إعلام المحور، تكمن في اختزال إيران وعزلها عن حقيقتها الإبداعية والفكرية.
فإيران التي عرفتها من خلال المسيحيين أعمق بكثير من تلك التي تُقدَّم في الخطابات الجافة والقراءات الدعائية.
لبنان الكبير والهوية المارونية
إن مؤسسي لبنان الكبير وحراس هيكله التاريخيين لطالما سعوا إلى التمايز عن العروبة بمعناها الضيق،
إدراكاً منهم لهوية فينيقية لبنانية متجذرة. ورغم التحولات السياسية والمصالح المتبدلة،
يظل الوجدان الماروني عصياً على الذوبان في فضاء لا يشبه لبنان بخضرته، ولا بفيض ينابيعه، ولا بتجربته التاريخية الخاصة.
لذلك، أدعوك يا سيد طوم إلى أن تتحول من خطاب الحرب إلى خطاب السلم،
وأن تتحدث بوقار العقل الماروني السياسي، ذلك العقل الموغل في التاريخ والمنفتح على المستقبل.
خاتمة: لا شيء يفصل المسيحيين عن شيعة الإمام علي
إن التوقف عن مهاجمة إيران بلغة إعلامية تسويقية تفتقر إلى الرصانة لا يعني إلغاء النقد،
بل يعني الارتقاء به إلى مستوى العقل العلمي والمعرفي الذي يليق بالإرث المسيحي العظيم.
يا سيد طوم حرب، نحن شيعة وأتباع الإمام علي، وتلاميذ مدرسته وفلسفته الإنسانية التي هي أقرب إلينا من حبل الوريد.
ولا يوجد شيء جوهري يفصلنا عن المسيحيين، كما لا توجد قوة في العالم قادرة على فصل المسيحيين عنا.
كل ما يحدث اليوم ليس إلا غيمة صيف عابرة.
أما الواقع والتاريخ والمسار والمصير والوجود الإنساني، فهي أقوى بكثير من المصطادين في الماء العكر.


