ها هو العراق يصل إلى أعلى ديون داخلية في تاريخه، ومع ذلك الحكومة ما تزال تتعامل وكأنها تدير جمعية خيرية بلا دفتر حسابات.
الأرقام المعروضة عن النصف الأول من 2025 صادمة:
- إيرادات نفطية بلغت 45.2 تريليون دينار.
- رواتب التهمت 44.9 تريليون دينار (أي أن النفط ذهب جيوبًا لا مشاريع).
- انخفاض الإيرادات غير النفطية بنسبة 43%، وهو رقم يُكفي لفضح كل خطابات “تنويع الاقتصاد”.
- دين داخلي ارتفع من 70.5 تريليون في 2023 إلى 92 تريليون في 2025، أي قفزة أشبه بـ”قفزة حرة” بلا مظلة.
الحكومة ببساطة باعت 606 ملايين برميل نفط، لكنها لم تُحوِّل دولارًا واحدًا إلى مشاريع إنتاجية أو استثمارية.
كل شيء صُب في خانة “الرواتب والتشغيل”، والنتيجة:
بلد يعيش على “سياسة الرواتب” بدلًا من “سياسة الدولة”.
أين الموازنة الثلاثية؟
المضحك المبكي أن الحكومة حتى الآن لم تقدّم جداول موازنة حقيقية، رغم أنها التزمت أمام الشعب والبرلمان بما يسمى “الموازنة الثلاثية 2023-2025”.
نحن في نهاية 2025 تقريبًا، وما زلنا نتجادل على أرقام الإنفاق والديون وكأنها أسرار عسكرية.
والنتيجة: لا القطاع الخاص يفهم ما ينتظره، ولا التاجر يعرف كيف يخطط، ولا المواطن يفهم لماذا راتبه يتبخر في الأسواق.
الاقتصاد العراقي.. اقتصاد “التحويلات”
الاقتصاد الآن تحوّل إلى دائرة تحويل رواتب، بينما البنية الإنتاجية مهملة. 70 مليار دولار استيرادات مقابل 19 مليار فقط إيرادات كمركية، وهذا يعني أن الحدود أصبحت “صالة عبور” للفساد والتهريب أكثر من كونها مصدرًا لدعم الخزينة.
المواطن.. الضحية الدائمة
- ارتفاع الديون الداخلية سيعني بالمحصلة تقليص القدرة الشرائية للمواطن عبر تضخم متسارع.
- الاعتماد على النفط فقط يجعل أي هبوط في أسعاره كفيلًا بتعطيل الدولة.
- غياب الموازنة التشغيلية الواضحة يترك السوق بلا استقرار، والتجار يرفعون الأسعار تحسبًا لأي هزة مالية.
حلول مقترحة
-
إصلاح النظام الكمركي والضريبي:
- رقمنة الجباية في المنافذ الحدودية لمنع التهريب والفساد.
- رفع الحصيلة الكمركية من 19 إلى 30 مليار دولار على الأقل عبر ضبط المنافذ.
-
إعادة هيكلة الرواتب:
- معالجة الترهل الوظيفي عبر برامج التقاعد المبكر والتحويل إلى القطاع الخاص.
- ربط الرواتب بإنتاجية فعلية بدل أن تكون عبئًا ثابتًا على النفط.
-
تنويع الإيرادات غير النفطية:
- فرض ضرائب عادلة على قطاع الاتصالات والمصارف والشركات الكبرى.
- تشجيع الزراعة والصناعة المحلية لتقليل فاتورة الاستيراد التي بلغت 70 مليار دولار.
-
إدارة الدين الداخلي بعقلانية:
- إصدار سندات استثمارية موجهة للمواطنين بدلاً من الاقتراض العشوائي من المصارف الحكومية.
- ربط الاقتراض بمشاريع إنتاجية وليس فقط بالإنفاق التشغيلي.
-
إلزام الحكومة بتقديم جداول الموازنة:
- تشريع يلزم وزارة المالية بتقديم تقارير فصلية شفافة عن الإيرادات والنفقات.
- ربط إطلاق أي إنفاق إضافي بموافقة برلمانية واضحة
الخلاصة الساخرة
الحكومة اليوم لا تحتاج إلى “مستشارين اقتصاديين”، بل إلى “مصلحجية محاسبين” يعرفون على الأقل جمع وطرح الأرقام.
فبلد يبيع 606 ملايين برميل نفط ثم يستدين داخليًا ليغطي الرواتب، هو بلد قرر أن يعيش “على الدين” و”بالدين” و”لأجل الدين”، مع فارق أن الدين هنا ليس سماويًا بل ربويًا داخليًا يلتهم الأجيال المقبلة.
الاقتصاد العراقي يشبه موظفًا يتسلم راتبه صباحًا، ويدفعه بالكامل مساءً، ثم يذهب ليستدين ثمن العشاء. الفرق أن الموظف يملك عذرًا، أما الدولة فتمتلك نفطًا وميزانية لم تكتبها بعد!


