في زمن الانفتاح الإعلامي المتسارع، لم يعد الفضاء الرقمي مجرد ساحة للتعبير الحر، بل تحوّل إلى ميدان تتنازع فيه قوى مختلفة: بين المحتوى الهادف الذي يسعى لتنوير العقول وبناء وعي جمعي، وبين المحتوى الهابط الذي يلهي الجماهير بالسطحية والإثارة ويغذي الانقسام الاجتماعي.
هيمنة الكفة الهابطة
إذا ما تأملنا المشهد العام للسوشيال ميديا اليوم، نجد أن المحتوى الهابط – من تفاهات، شائعات، إثارة رخيصة، ومقاطع سطحية – يسيطر على نسبة كبيرة من التفاعل الجماهيري. والسبب في ذلك يعود إلى:
1- غياب الوعي النقدي لدى شرائح واسعة من المتابعين، الذين ينجذبون إلى السهل السريع بدل البحث عن العمق.
2- الإعلام الأصفر الذي يضخم القضايا التافهة ويهمش المحتوى الجاد.
3- دور المنظمات المشبوهة التي تدعم مادياً بعض المؤثرين وصنّاع المحتوى المضلل لتمرير أجندات سياسية واجتماعية.
4- الاقتصاد الرقمي الذي يجعل من عدد المشاهدات أداة ربح، مما يدفع الكثيرين إلى إنتاج كل ما هو مثير حتى لو كان هابطاً.
موقف الحكومات: بين المنع والتنظيم
يبقى السؤال: هل تستطيع الحكومات مواجهة هذه الظاهرة؟
1- سنّ القوانين : نعم، يمكن إصدار تشريعات تعاقب على التحريض، نشر الكراهية، التلاعب بالعقول، أو بث محتوى مخالف للقيم العامة. لكن الصعوبة تكمن في تطبيق هذه القوانين من دون المساس بحرية التعبير.
2- المنع والحجب : حجب المواقع أو الصفحات المثيرة للفتنة خيار مطروح، لكنه لا يعدّ حلاً جذرياً؛ فالمستخدمون قادرون على الالتفاف عليه بأدوات تقنية.
3- بناء الوعي الجمعي : هنا يكمن الحل الحقيقي عبر برامج توعية، ودعم الإعلام الرصين، وتعزيز المناهج التعليمية التي تزرع التفكير النقدي لدى الشباب.
ما بين التغييب والوعي
المحتوى الهابط لن يختفي بمجرد القوانين أو الحجب، لأنه يستند إلى طلب جماهيري متأثر بضعف الوعي. إن المعركة الحقيقية ليست في “ملاحقة الصفحات” بل في إحياء التفكير النقدي وخلق جيل لا تنطلي عليه ألاعيب الإعلام الأصفر ولا المنظمات الممولة التي تعمل في الخفاء لتفكيك المجتمع.
السيطرة اليوم تميل لصالح المحتوى الهابط بدعم المال والسطحية وسرعة الانتشار. لكن الكفة يمكن أن تنقلب إذا تضافرت جهود الدولة، والمجتمع، والمثقفين لصناعة وعي جمعي راسخ يجعل من المحتوى الهادف مطلباً جماهيرياً لا يمكن تهميشه.
فإلى متى ستبقى العقول أسيرة التفاهة؟ وإلى متى ستتحكم الأموال والأجندات الخفية في ما نقرأ ونشاهده ونصدق؟ هل سنظل نشاهد السطحية تحطم عمق التفكير، ونسمح لمن يريد تقسيم وعينا أن يحقق أهدافه بلا مقاومة؟ حان الوقت لأن نستعيد حقنا في وعي نقدي، وأن نجعل من المحتوى الهادف هو السائد لا الاستثناء، قبل أن يتحول مجتمعنا إلى مسرح للمظاهر والسطحيات بلا روح ولا تفكير.


