في الوقت الذي تتناقل فيه وسائل الإعلام خبر إطلاق سراح جاسوسة بعد سنوات من احتجازها، يبقى شباب العراق الأحرار خلف القضبان، فقط لأنهم نطقوا بالحق وانتقدوا علناً مظاهر الفساد والظواهر السلبية التي تنخر جسد الدولة والمجتمع. هذه المفارقة الصارخة تدفعنا إلى التساؤل عن معيار الوطنية، وعن من يحدد فعلياً معنى الولاء للوطن.
الدكتور ضياء العزاوي، الأكاديمي المعروف بمواقفه الوطنية والصريحة، اعتُقل وصار مصيره مجهولاً حتى هذه اللحظة، ليغدو اسمه رمزاً لشجاعة الكلمة وصدق الموقف. هذا الرجل، الذي عرفه الكثيرون بجرأته في نقد الظواهر السلبية والدفاع عن حقوق العراقيين، لم يحمل سوى قلمه وصوته، فإذا به يدفع ثمن ذلك من حريته.
أما الدكتور علي الذبحاوي، الذي حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات مع سبع قضايا أخرى تنتظره، فهو نموذج آخر لمثقف عراقي نادى بالإصلاح، ليجد نفسه محاصراً بقرارات وأحكام لا تتناسب مع طبيعة مواقفه السلمية. شخصيتان من طراز نادر، كرسّا حياتهما للكلمة الحرة والنقد البنّاء، فصار مصيرهما الزنازين بدل قاعات البحث والجامعات.
تكمن المفارقة في أن النظام القضائي الذي يُفترض أن يحمي العدالة يبدو أحياناً أداة لتصفية الحسابات السياسية. ففي حين يُطلق سراح من تُوجه إليهم تهم خطيرة مثل التجسس، يُعاقب المثقفون والناشطون الذين يسعون للإصلاح بالسجن، مما يعكس غياب معايير موحدة لتطبيق القانون. هذه الازدواجية لا تُضعف الثقة بالمؤسسات فحسب، بل تُعيق بناء دولة القانون التي يتطلع إليها العراقيون. إن حماية حرية التعبير ليست ترفاً، بل ركيزة أساسية لاستقرار المجتمع.
اللافت أن شعار “نريد وطن”، الذي رفعه المتظاهرون في ساحات الاحتجاج السلمي، يبدو أنه ما زال يرعب بعض دوائر النفوذ. هذا الشعار البسيط الصادق، المعبّر عن وجع العراقيين وتطلعاتهم، أصبح في نظر البعض تهديداً مباشراً لمصالحهم، لأنه يكشف زيف شعارات الوطنية والديمقراطية التي يرددونها أمام الإعلام.
إن هذه الازدواجية في التعامل مع الملفات – الإفراج عن متهمين بالتخابر أو الجاسوسية مقابل سجن ناشطين وأكاديميين – تضع علامات استفهام كبيرة حول من يضع معايير الوطنية، وحول مدى جدية الأطراف المعنية في حماية حرية التعبير التي نص عليها الدستور. فالوطنية الحقيقية لا تقاس بالهتاف أو الظهور الإعلامي، بل باحترام الحقوق والعدالة الاجتماعية وضمان الكرامة الإنسانية لكل مواطن.
ما يحدث اليوم ليس مجرد حالات فردية، بل يعكس أزمة عميقة في إدارة الدولة العراقية تتعلق بغياب معايير ثابتة للتعامل مع المواطنين، وسيادة منطق الانتقائية في اتخاذ القرارات. إن استمرار هذه السياسة سيؤدي إلى تفاقم أزمة الثقة بين المواطن والسلطة، وإلى مزيد من الانقسام المجتمعي الذي لا يخدم إلا الفاسدين والمتربصين باستقرار العراق.
ختاماً، إذا كانت كلمة الحق تثير الرعب لدى أصحاب النفوذ، فهذا دليل على أن طريق الإصلاح ما زال طويلاً وشاقاً، لكنه أيضاً دليل على أن الصوت الحر أقوى من محاولات إسكاتِه. العراق لن ينهض إلا بوطن يحتضن أبناءه لا بزنازين تسجنهم.


