المسرحية الانتخابية ستنتهي بلا شك ، ونتائجها لم تكن غائبة بل معلومة سلفًا. فمن مقاطعٍ هنا، إلى مشتتٍ هناك، ضاعت فرص التغيير الحقيقي، وبات المشهد محصورًا بين قوى السلطة التي تُحسن استغلال أدواتها، وبين جمهورٍ يكتفي بالمشاهدة تحت شعار ( المقاطعة) أو ( رفض الانتظام ). والنتيجة واضحة.. فراغ ملأه الفاسدون والمتنفذون؟.
لكن فلنكن صرحاء: فشلنا في إنتاج بديل وطني ليس مجرد مؤامرة خارجية، بل انعكاس لعجزنا نحن ( ضعف القدرة السياسية )، وغياب القيادة القادرة على التنظيم، وربما تقدّم العمر عند بعض رجالات التغيير. هذا الاعتراف ضروري لأنه يعني أننا بحاجة إلى جيل جديد من القيادات، وإلى وعي عملي يبتكر الحلول.
فهل يُعقل أن يسيطر هؤلاء على بلد كامل بحجة أنهم ( الحاكمون ) فيما نحن نكتفي بالصمت والتفرج؟ وهل يُعقل أن نترك الساحة فارغة تُملأ بالفساد والمحاصصة؟!، بينما الوطنيون والكفاءات يتوزعـون فرادى بلا عنوان جامع؟
بناء البديل لا التذرع بالأساطير
إننا أمام لحظة فارقة، لا تحتمل المزيد من الهروب أو التذرع بالشعارات. فالمقاطعة التي وُلدت كفعل احتجاج تحولت إلى فراغ سياسي سمح للمتسلطين بتثبيت أقدامهم، والرفض العاطفي لأي تنظيم مشترك لم يترك سوى التشتت والضياع.!!
لذلك، فإن الدعوة اليوم صريحة: على الوطنيين، وأبناء تشـرين، والمثقفين والكفاءات أن ينتظموا تحت عنوان واحد، إطار جامع قادرعلى أن يقف بوجه هؤلاء، ويعيد للشعب الأمل بوجود بديل حقيقي. ليس المهم الاسم بقدر ما هو الفعل، ولا الشعار بقدر ما هو المشروع.
لقد أثبتت التجربة أن الساحة السياسية لا تعترف بالفراغ، ومن يتركها للآخرين سيدفع ثمن خيارات لم يصنعها. فإما أن نكون جزءًا من صناعة مستقبل العراق، أو نبقى أسرى لماضٍ يعيد إنتاج نفسه في كل دورة انتخابية.
من الغضب إلى المشروع: خارطة طريق عملية
لذلك نقول : إن الوطن بحاجة إلى انتظام وطني واعٍ، إلى عقلية مسؤولة تترجم الغضب إلى مشروع، وإلا فإن كل صرخة ستبقى مجرد صدى يتلاشى ، فلنقف صفًا واحدًا، ولنقطع الطريق على من يعتقد أن العراق قدره أن يبقى غنيمة بيد حفنة من المنتفعين.!!
أما الرهان على الخارج أو انتظار سيناريو جديد شبيه بعام 2003، فهو وهم قاتل. ذلك الباب أُغلق، ومشاريع الخارج لم تجلب سوى الاحتلال والتبعية والفوضى الحقيقة البسيطة : لا يحك جلدك مثل ظفرك. التغيير الحقيقي ينبع من الداخل، من وعي الناس وتنظيمهم واعتمادهم على أنفسهم ،فالمطلوب اليوم هو :
1.إطار وطني يوحّد الوطنيين والتشرينيين والمثقفين والكفاءات.
2.مشروع بديل عملي يترجم الغضب الشعبي إلى خطوات واضحة ويعيد ثقة الناس بالعمل السياسي.
3.تجديد القيادة بدماء شابة واعية قادرة على تجاوز أخطاء الماضي.
4.فضح صفقات الفاسدين، ومراقبة السلطة، وفرض الرأي العام كقوة ضاغطة.
وفي الختام..
إن العراق لن يُستعاد بالشعارات ولا بالمقاطعة، ولن يُبنى بالرهان على الخارج، بل بانتظامنا نحن وقدرتنا على خلق بديل وطني جديد. وإذا كان فشلنا السابق قد كشف ضعف القيادة وتشتت الجهود، فإن اللحظة القادمة يجب أن تكون إعلان ميلاد مشروع يعتمد على النفس ويؤمن أن التغيير من الداخل وحده هو طريق الخلاص.


