لاحت للعقل العراقي فرصة تاريخية ليستعيد نشاطه وينفض عنه متراكم الغبار، الذي خلّفته الدكتاتورية وأزمنة الاستبداد، بعد أن نال حرية أكثر مما يتوقع، لكن تبين أنه جعل من تلك الحرية قيوداً جديدة أشدّ وأخطر، فقد انتقلت من خارج إرادته إلى داخل وعيه.
حين تدافع الآلاف من العراقيين للتصدي لداعش، وغصت الشاحنات بهم، حملت تلك المشاهد الكثير مما يختزنه العراق من اندفاع وطني واستعداد للتضحية في سبيله.
حرب إعلامية على الوعي
لكن الهجوم المضاد بدأ منذ أن ظهرت الهزيمة العسكرية في صفوف الإرهاب، وتراجعت المراهنات على انتصاره، وبشكل تدريجي مكثف، بدأت حرب أكثر شراسة وخطورة: مهاجمة الوعي وتزييف الحقائق. نالت القوى التي تصدت لداعش – الحشد – النصيب الأكبر من الهجوم الإعلامي، تلاها الأحزاب والقوى المساندة له، ومن خلاله النظام السياسي بأكمله، وكأنما (فايروس) فتك بالعقول وصادر الوعي، فلم يعد هناك من يطرح الأمور وفق معطيات حقيقية تمر عبر أحكام العقل.
تشويه الحقائق والإنسانية
مع استمرار الهجوم الإعلامي، برزت ظواهر تعكس مدى التأثير السلبي على العقل العراقي. فقد أسهم الإعلام في تضخيم الروايات المغلوطة وتشويه صورة التضحيات الوطنية، مما أدى إلى إضعاف الثقة بالروايات الحقيقية. هذا التلاعب أسهم في خلق انقسامات اجتماعية وتفتيت التماسك الوطني، حيث باتت الأحكام تستند إلى انطباعات سطحية بدلاً من الحقائق الموثقة.
في نموذج صارخ للعطب الذي أصاب العقل العراقي، والجرح المفتوح الذي تركه الإعلام وما زال يمعن فيه، ما قرأته اليوم لكاتبة (دكتورة) ملأت منشورها بكلمة (طز) على كل ما في العراق حتى فيسلة النخل وقطرة الماء، في وقت أشبعت أمها مدحاً لما يفعله بطل رواية ماركيز (ليس للكولونيل من يكاتبه) ولم يفعلها صدام حسين في تطويب أمه، وكل ذلك لأن أمها حزنت وكادت تموت قلقاً على ((الدكتورة)) حين مرضت، ثم نفذت إلى ما تريد قوله، بأن هاجمت بشدة وعنف وحشي أم المرحومة الدكتورة ((بان)) لأنها كانت هادئة متماسكة.
يبدو أن هذه الكاتبة لم تشهد ذلك العراقي الذي قتل اثنان من أولاده – طبيب ومحام – مع زوجتيهما وأطفالهما، فلم يذرف دمعة واحدة، بل خاطب ربه قائلاً: ربي أنا لست نبياً، ولا وصياً، حتى أتعرض لهذا الاختبار، ربي أنت أدرى بحالي ولا اعتراض على حكمتك. أو تلك المرأة التي استقبلت جثمان ابنها الشهيد وهي تزغرد، مؤدية التحية لجنازته، ويمكن إيراد الآلاف من القصص المشابهة.
أم المرحومة د. بان كانت تدرك حالة ابنتها النفسية، ونقلت بلسانها كيف أن الضحية كانت تشكو لها حبها الفاشل “ماما أنا محد يحبني”، لذا فموقفها، لأنها تعرف حقيقة ما جرى، كان حزيناً صابراً، وليس غير مهتم كما صوره من عبث الإعلام بعقولهم – بل وإنسانيتهم –


