رثاثة الصامتين – وخنوع القائلين
في قصيدة ” وتريات ليلية “يقول النواب: ” –و أدخلتم كل زناة الليل الى حجرتها ،ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب لصرخات بكارتها ،وأمرتموها أن تسكت صوناً للعرض —” .
في العراق ،هناك طرفان لم يكونا يوماً على وفاق ، أحدهما يمتلك التاريخ ، الذي دوّنه كما شاء حكّامه ، لم يُكتب سطر دون زيف ،ولم يسر خطوة دون أكذوبة ،اخترقته “بطولات”وهمية ، وشخوص خارقون ،وأحداث أخذتْ من جانب واحد ، ضخمتْ درجة التورم ،ليس كأحداث وحسب ، بل في نفوس من اتبّعها وصدّقها .
تلك المفبركات التاريخية ،خلقتْ جهة تشعر بالتفوق والامتلاك ،كونها الفئات التي منحها الله السيادة والحكم ، وفئة أخرى نتيجة لتراكم الاضطهاد والقمع ، بات الخوف والقلق ،جزءاً من تكوينها النفسي ،وترسّخت فيها عقدة الشعور بالأدنى ،فكان حزب ((التاريخ )) يذكرهم دائماً بإنجازات خلفاء وقادة عظام بفتوحاتهم وأعمالهم الجبّارة وقدسية نسائهم .
في مقابل ذلك ،عاش أهل الجغرافيا ، وهم عرضة لكل امتهان للإنسانية وجرى دفعهم دائماً نحو القناعة بأنهم خلقوا ليكونوا (نبطاً) لايجيدون سوى الارتباط بخدمة الأرض ، لإطعام أهل السيف من حزب التاريخ الحاكمين .
هنا تبرز مقولة أرسطو عن الأمم القائدة والأمم المقادة , كتجسيد حي لما فعله “حزب التاريخ ” في أهل الجغرافيا ، الذي لم يترك مناسبة دون ايقاع الأوصاف ، التي تؤكد انهم دون مكانتهم ،وكانت أوصاف من نوع (رافضة – لفو – أبناء متعة – معدان – شروكَية ) وكلها مفردات ذات جذر جغرافي شوهها “حزب التاريخ ” واستخدمها على غير موضعها وحقيقتها.
ورغم ان “حزب التاريخ ” أجبرتهم بيئة شديدة القحل ، قاسية العيش ، الى الاندفاع نحو مواطن الخصب والاخضرار، واحتلالها استيطانياً، ولأنهم حملوا معهم معتقدات قاسية في مقدار قداستها ،وفرضوها على أهل الجغرافيا ، الذين أطلقوا عليهم (موالي ) ونزعوا عنهم تراثهم الحضاري ولغتهم ومعتقداتهم ، واستولوا على مدنهم وخيرات حقولهم ، ولم يكتفوا بذلك ،بل ألزمومهم ان يؤمنوا حتى الذوبان ،بتفسيرات خاصة ل(حزب التاريخ ) ومن يحاول التملص من ذلك ،أويعتقد بتفسيرات أخرى للتاريخ – حتى من الدين ذاته – ينظر اليه كعدو خطر ينبغي استئصاله ومحقه ،ولتحقيق ذلك وكتم اي صوت معارض مهما يكن خافتاً ،انتظمت بسلاسل جيوش من فقهاء ورواة حديث وائمة وشعراء وكتّاب ،بنوا هيكلاً قدسياً لايمكن اختراقه ،وجعلوا من طاعته ،هي الطريق الى العيش .
استسلم (أبناء الجغرافيا) لأقدارهم ،وابتغوا اية وسيلة للحفاظ على أرواحهم – بما فيها التقيّة – لكن وعبر تلك الأزمنة ، تسربت وتراكمت في نفوسهم ،قناعات بما هو قائم ، كي يخففوا عن دواخلهم الشعور بالاضطهاد المريع ، ثم انتقلوا الى تبني طروحات (حزب التاريخ ) ونظرته الاستعلائية ، التي بقيت مستمرة حتى حين تبدلت أحوالهم وأصبحوا في مركز السلطة والقرار .
لذا نجد كيف يدافع مثقفو( الجغرافية ) المنتهكة ،عن تاريخ طالما اضطهدهم واحتقرهم ،باعتباره تاريخهم ، والحرص المبالغ فيه ، على الاستمرار في ارضاء (حزب التاريخ) بدعوى (عدم اثارة النعرات الطائفية ) وكأنهم خلقوا فعلاً ليبقى يحكمهم عامل الخوف (*).


