في السنوات الأخيرة، أصبح المجتمع العراقي -كما كثير من مجتمعات المنطقة- غارقاً في دوامة وسائل التواصل الاجتماعي، من “فيسبوك” إلى “تيك توك”، ومن “إنستغرام” إلى “يوتيوب”، حتى غدت هذه المنصات جزءا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية!
غير أن الخطير في الأمر ليس في استخدام هذه الوسائل فحسب، بل في نوعية المحتوى الذي يستهلكه الشارع العراقي، وفي ما يترتب على هذا الاستهلاك من آثار ثقافية وفكرية وأخلاقية مقلقة.
لقد تحوّلت هذه الوسائل، التي كان يُـفترض أن تكون نافذة للتواصل البنّـاء، ومنبراً لتبادل المعرفة والأفكار، إلى مستنقع من السذاجة والإسفاف والسقوط الأخلاقي أحياناً.
إننا نرى محتوى لا يمتّ إلى الوعي ولا إلى الذوق بأي صلة، محتوى يُـروَّج له ويُـعاد نشره على نطاق واسع، بينما يُـهمّـش كل ما هو جاد وعميق!
صارت التفاهة سلعة رائجة، والضحك الفارغ عنواناً لما يُـرف بالترند، بينما تقبع الكتب على الرفوف مغبرة، لا أحد يقترب منها.
والمشكلة لا تكمن فقط في وجود هذا المحتوى الهابط، بل في تفاعُـل الناس معه، إعجاباً وتعليقاً ومشاركة! بدل أن يُـستثمر وقت الشباب في القراءة والمطالعة والنقاشات الجادة وتحصيل المعرفة التي تبني العقول وتُـهذّب النفوس، أصبح يُـهدر في اللهاث وراء فيديوهات لا طائل منها، بل تُـساهم في تشكيل وعي مشوَّه وسلوكيات منحرفة.
تراجعت ثقافة المطالعة الجادة، وتكاد تُـصبح غريبة على أجيال كاملة لا تعرف عن الكتاب إلا شكله!
وحتى أولئك الذين يظنون أنفسهم “مثقفين”، كثيرٌ منهم وقع في فخ القراءة السريعة والمحتوى المجتزأ الذي لا يُـغني ولا يُـثري ..
فلا التروي في الفهم، ولا التأمل في النصوص، ولا البحث عن الحقيقة ..
بل استسهالٌ وتسطيحٌ ينعكس في الخطاب العام، وفي طبيعة النقاشات، وفي هشاشة المواقف.
تبعات خطيرة للانحراف في السوشيال ميديا
وهذا الانحراف في الاهتمام له تبعات خطيرة، منها:
١- انحدار مستوى الوعي الجمعي، ما يفتح الباب واسعاً أمام الشائعات والتضليل والتلاعب بالعقول.
٢- تفشي الخطاب السطحي المتهكم على كل ما هو عميق أو فكري أو ديني أو وطني.
٣- فقدان القدرة على التمييز بين الجد والهزل، بين المعلومة والرأي، بين النقد والتجريح.
٤- تفكك الروابط المجتمعية تحت تأثير العالم الافتراضي الذي يعمق الفردانية والانعزال.
عراق “السوشيال ميديا”
إن العراق، وهو بلد الحضارات والعلوم والأدب، يستحق مجتمعاً يقرأ، يُـفكر، يُـحلل، ويُـنتج وعياً لا يستهلك تفاهة ..
نحن بأمسّ الحاجة إلى ثورة معرفية حقيقية تعيد للكتاب هيبته، وللعقل سلطته، وللأخلاق مكانتها ..
ثورة تبدأ من الأسرة، ومن المدرسة، ومن الجامعات، ومن المنابر الدينية والإعلامية، وتنتهي في كل هاتف يحمل تطبيقات التواصل.
وسائل التواصل ليست شرّاً مطلقاً، لكنها أصبحت كذلك حين هجرنا العقل، وأهملنا المعرفة، واستسلمنا للترفيه السخيف ..
إن أردنا إنقاذ ما تبقّـى من وعينا الجمعي، فعلينا أن نراجع أنفسنا، ونُـعيد ترتيب أولوياتنا، فالوطن لا يُـبنى بالترندات، بل بالعقول الناضجة والقلوب المؤمنة بالمعرفة.


