الـعراق اليوم دولة مُـحتلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى مهما حاول البعض تجميل الواقع أو تغليفه بالشعارات السياسية والدبلوماسية ..
ومَـن يُـنكر هذه الحقيقة فهو إمّـا متورط في الكذب على الناس خوفاً أو طمعاً وإمّـا غارق في جهلٍ سياسي لا يُـدرك طبيعة ما يجري حوله من أحداث وتحولات خطيرة.
لقد عرف العراق أشكالاً متعددة من الإحتلال عبر تاريخه .. عرف الإحتلال العثماني يوم كانت البلاد تُـدار بوصفها ولايات متفرقة:
- ولاية الموصل.
- ولاية بغداد.
- ولاية البصرة.
وعرف لاحقاً الإحتلال البريطاني الذي أسّـس دولة العراق الحديثة عام (١٩٢١) وفق المصالح البريطانية آنذاك .. لكنّ الإحتلال الأمريكي الذي بدأ عام (٢٠٠٣) جاء بطريقة مختلفة تماماً: أكثر تعقيدا، أشد إذلالاً و أعمق تغلغلاً في مفاصل الدولة والمجتمع.
الإحتلالات القديمة كانت واضحة المعالم إلى حد ما، جندي أجنبي يرفع علم دولته فوق الأرض المحتلة وحاكم أجنبي يُـصدر أوامره بلا مواربة .. أمّـا الإحتلال الأمريكي فقد جاء بثياب جديدة:
- دستور يُقال عنه أنه وطني لكنه يُـكتب تحت ظلال الدبابات الأمريكية.
- وطبقة سياسية تُـصنع داخل الغرف المغلقة بعيداً عن قرار الشعب.
- ومؤسسات تُـبنى على أساس التبعية لا السيادة.
- أصبح العراقي يرى علم بلاده مرفوعاً ظاهرياً بينما القرار الحقيقي يُـصاغ خارج الحدود.
أمريكا المحتلة لم تكن معنية ببناء عراقٍ قوي مستقل، كانت ولا تزال حريصة على إنتاج عراقٍ ضعيف جداً، يعيش نزاعات مختلفة مزمنة، تُـنهكه الأزمات وتستنزفه الصراعات الداخلية.
ولذلك لم يكن غريباً أن يتحول البلد بعد سنوات من الإحتلال إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الإقليمية والدولية وإلى أرض تُـنتهك سيادتها صباح مساء دون رادع حقيقي .. فما الذي فعلته الولايات المتحدة أمام الخروقات التركية المتكررة للأراضي العراقية؟ وما موقفها من التجاوزات الكويتية التي طالما أثارت غضب العراقيين؟ وأين كانت من ملفات المياه والحدود والسيادة؟
الحقيقة أن واشنطن لم تكن ترى في العراق وطناً يجب أن يُـصان وتراه ساحة نفوذ ومخزناً للمصالح والثروات. إنّ أكثر ما يفضح طبيعة هذا الإحتلال الغاشم ليس وجود القواعد العسكرية وحدها وإنما حالة الإذلال السياسي التي يعيشها العراق:
- دولة لا تستطيع أن تتخذ قراراً سيادياً كاملاً دون الرجوع لأمريكا.
- طبقة سياسية تخشى غضب الأمريكي المحتل أكثر مما تخشى غضب الشعب.
- وشعبٌ يُـترك فريسة للفقر والبطالة والفساد بينما تُـنهب مقدرات البلاد تحت عناوين متعددة.
إن الإحتلال الأمريكي أخطر من غيره لأنه لم يحتل الأرض فقط، هذا الإحتلال: حاول إحتلال العقل والهوية والإرادة. سعى إلى تحويل العراقي من مواطنٍ يطمح لدولة قوية ذات سيادة إلى إنسانٍ مُـنهك يبحث عن أبسط مقومات العيش في وطنٍ يطفو فوق بحرٍ من الثروات. وهذا ليس غريباً .. إذ القرار الوطني مرهون بالإرادة الأجنبية .. والحديث عن السيادة مجرد شعار يُـرفع في الخطب الرسمية، بينما الحقيقة على الأرض تقول شيئاً آخر تماماً.


