الرسالة الإلكترونية التي بعثتها الخارجية الأميركية إلى الحكومة العراقية عبر بريدها الرسمي – خالية من أي ختم أو توقيع سوى اسم وزير خارجيتها – لم تكن بريئة، ولم تكن مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل كانت رسالة ابتزاز مكشوفة. فهي تطالب بسحب قانون الحشد الشعبي، بالتزامن مع الانسحاب المفاجئ للقوات الأميركية من قواعدها العسكرية باتجاه أربيل وتقليص أعدادها في البلاد. إنها ليست صدفة… بل إعلان أن مرحلة حرب الاستنزاف قد بدأت.
حرب الاستنزاف الشامل الخفي
حربٌ أدواتها ليست الطائرات وحدها، بل سلاحها العقوبات الاقتصادية، ولوائح الإرهاب، والعزلة السياسية، والحصار الخانق. وسيدخل على خطها لاعبون آخرون بمهارة عالية: أطراف إقليمية تتحكم بمياه العراق وتلوّح بها كسلاح، وأخرى تموّل الخراب بأموال الخليج، وأطراف داخلية ارتضت الخيانة وارتبطت بمصالح الاستكبار العالمي والصهيوني، متغافلة عن المصير المظلم الذي ينتظر العملاء دوماً حين تنتهي مهمتهم، حيث تُغلق الأبواب في وجوههم ويلقون جزاء عمالتهم.
كان الأجدر بالحكومة ألا تُذعن بهذه السرعة لابتزاز واشنطن، بل أن تسلك مسار الحنكة والحكمة: أن تفتح الملفات المحظورة التي لطالما منعت أميركا العراق من الاقتراب منها. ملفات الأموال العراقية المرهونة في بنوكها، وملف انتهاك الاتفاقية الأمنية يوم استباحت الطائرات الإسرائيلية سماء العراق بلا رادع، وملف السيادة الوطنية المغيبة.
الملفات المحظورة كخيار استراتيجي
هذه الملفات كان يجب أن تكون أوراق ضغط على طاولة المفاوضات، لا أن يُسحب قانون الحشد الشعبي بهذه السهولة. وهنا تكمن المفارقة الجوهرية في إدارة الأزمة؛ فالقوة التفاوضية الحقيقية لأي دولة لا تكمن في الاستجابة للشروط، بل في قدرتها على قلب الطاولة بطرح قضاياها المصيرية بجرأة، الخصم على الدفاع عن موقفه في ملفات هو الأكثر حرجا فيها. إدارة الصراع تحتاج إلى استراتيجية ثابتة تقوم على استثمار ثغرات الخصم، وليس التفاوض من موقع المنفعل والمستجيب للتهديدات.
إن التخلي عن الحشد هو تخاذل عن أداء المهمة الأساسية للحكومة، وهو تخلي عن جهاز أمني وطني صمد ببسالة وشجاعة حين تهاوت الأجهزة الأخرى وتركت سلاحها وانسحبت أمام الإرهاب. لقد أثبت الحشد أنه حارس العراق حين عزّ الرجال وقلّ الناصر.
وأنتم يا رجال الله، يا أبطال المقاومة في الزمن العصيب، واعني بهم أولئك الذين يفترشون الأرض على سواتر الجبهات ويلتحفون الأذى ويصبرون على الجمر، كونوا على قدر الأمانة. خذوا أقصى درجات التأهب والحذر، ووطّنوا أنفسكم على معركة فرضت عليكم. تذكّروا قول الله تعالى: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلـوَكِيلُ ﴾.
ولتكن كل أرض ينطلق منها عدوكم هدفاً لكم، فلا حصانة لعدو يستبيح سماء العراق وأرضه.
يا أبناء شعبنا، اعلموا أن حشدكم هو سندكم والمدافع عنكم في زمنٍ عزّ فيه الناصر. فالتفّوا حوله، وكونوا كلمةً واحدة وموقفاً ثابتاً، رغم اختلاف مذاهبكم وقومياتكم، فإن الله تعالى قال: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُٓواْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٤٦﴾.
حمى الله العراق وأهله وحشده من كيد الأعداء ومكرهم، وصان وحدته من الفتن التي يجتمع عليها الخارج والداخل معاً.


