البورصة العراقية: بين الشفافية المالية والجمود السوقي

البورصة العراقية: بين الشفافية المالية والجمود السوقي
رغم قوة بعض الشركات والمصارف العراقية وربحيتها العالية، تبقى أسعار أسهمها جامدة بسبب نقص السيولة وضعف الوعي الجماهيري والتقنيات القديمة. إن إنعاش البورصة يتطلب حملات توعية، تحديث البنية التكنولوجية، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية بآليات مرنة وشفافة...

بالرغم من وجود شركات ومصارف عراقية تمتلك أداءً ماليًا رائعًا ومتميزًا وأرباحًا سنوية مغرية تفوق في بعض الحالات 30% من قيمتها السوقية وهذا مؤشر إيجابي، إلا أن المراقب يلاحظ أن أسعار أسهمها منخفضة وغير معبرة عن واقعها المالي الحقيقي. هذا يسبب إحباطًا لدى جمهور مستثمريها أو مساهميها لأن المستثمر أو المساهم غايته الربح وأن يرى القيمة السوقية للسهم المشترى مرتفعة. نلاحظ أن هذا التناقض يطرح سؤالًا جوهريًا: هل الأزمة في الشركات نفسها، أم في بيئة السوق وآلياته؟

الشفافية المالية في المصارف

نلاحظ أن الواقع الإيجابي داخل السوق العراقي يتمثل في وجود شركات ومصارف ذات أداء مالي شفاف ومحترف. إن هذا السوق يمتلك بعض المصارف العراقية ذات قدرات محاسبية عالية وتلتزم بمعايير إعداد الموازنات وفقًا لمبادئ الإفصاح والشفافية، وخاصة معايير المحاسبة الدولية (IFRS Accounting Standards) بمعاييرها المتعددة 9، 7، 18. إن هذه المصارف التي هي بعض المصارف اعتادت بشكل دوري أن تظهر تقاريرها المالية بانتظام وتكشف عن أرباح تفوق 30% من القيمة السوقية للسهم الواحد، وهي نسبة جدًا مشجعة لا تضاهي بالتأكيد شركات ومصارف في أسواق إقليمية ودولية وأيضًا مجاورة إذا ما أخذنا انخفاض القيمة السوقية لهذه المصارف العراقية. نرجع من جديد إلى الواقع الذي تميز بانخفاض الربحية المغرية مقارنة بالقيمة السوقية، أي ربحية مرضية وكبيرة وخاصة إذا ما قورنت بانخفاض قيمة السهم في السوق. نلاحظ وبوضوح أن العديد من الشركات تظهر مؤشرات مالية ممتازة (مثل مضاعف الربحية المنخفض P/E)، وهذا أمر إيجابي جيد. ولكن رغم ذلك تظل أسعارها راكدة أو واقفة أو متجمدة. هذه الظاهرة سببت إحباطًا ويأسًا لدى المستثمر والمساهم في سوق الأسهم العراقية. وإن هذا الأمر بالتأكيد أطلقًا لا يفسر بضعف الشركات، بل بانفصال السوق عن الواقع المالي أو انفصال السوق عن تدفق واقع السيولة المفترض في تخطيطه للدخول إلى سوق الأسهم. وهنا يظهر عامل مهم وحيوي ومؤثر، وهو بالتأكيد المشكلة الجوهرية، وهو غياب السيولة الوطنية أو الأجنبية في التداول.

تحديات السوق وجموده

أين الخلل؟ نلاحظ بالرغم من وجود فرصة مغرية أو فرص متعددة ورائعة للشراء، ولكن الواضح للعيان فإن السوق يبدو مخنوقًا أو مكتوف اليدين، والسبب الرئيسي في تقديرنا هو نقص السيولة الوطنية، أي غياب ضخ المال من المستثمرين العراقيين أنفسهم. من خلال تحليل ميداني ونتائج استقصاء عبر منصات التواصل الاجتماعي أجريتها، من خلال لقاءات مباشرة مع متابعين في الإنستغرام والفيسبوك وتيك توك، ظهرت أربع فئات رئيسية من الجمهور: 1- الرافض للأسهم وأنه يرفض الدخول بدون سبب مقنع أو بدافع الخوف العام، 2- الناقم على السوق وهو جمهور لا يثق في الأسهم لكنه لا يملك معرفة حقيقية، 3- المطلع بلا مبادرة وهذا جمهور كبير ومهم جدًا إنه يفهم السوق لكنه لا يعرف كيف يبدأ، ولا يجد من يشجعه في الدخول أو يشرح له طريقة الدخول، 4- الخالط بين الأسهم والفوركس وداخل في عالم الضبابية بين السوقين، يعتقد أن الأسهم مثل الفوركس ومثل بعض التجارب السيئة في عالم الفوركس من الجمهور العراقي، وغالباً ما يخدع، وهذه هي الكارثة وهي عدم الفهم والضبابية. من خلال الأسئلة إلى جمهوري المستهدف في إنستغرام وتيك توك وفيسبوك من خلال البثوث المباشرة وصلت إلى هذه النتائج، واستخلصت أن هذه النتائج تكشف عن خلل عميق في الوعي الجماهيري تجاه السوق المالي العراقي وتظهر الحاجة إلى تحرك إعلامي مكثف ومدروس لاستهداف وتثقيف الجمهور العراقي.

غياب الإعلام المالي المحلي والدولي: على المستوى المحلي، نلاحظ أنه لا توجد حملات إعلامية حقيقية ومكثفة، نعم توجد حملات ولكنها ليست مكثفة، تشرح للمواطن العراقي ماذا تعني الأسهم وما الفرق بين المضاربة والاستثمار. نلاحظ غياب المؤثرين الماليين في العراق ولا يتم توظيفهم لدفع حركة السوق كما يحدث في السعودية أو دبي. غياب دور الدعم الإعلامي من قبل الشركات المساهمة الكبرى في توظيف المؤثرين وقيادة الحملات الإعلامية للترويج عن أنشطة وفعاليات السوق. أما ما تلاحظه على المستوى الدولي، فنحتاج إلى تسويق حقيقي لسوق العراق في المحافل الإقليمية أو العالمية، والمشاركة في التطبيقات الدولية التي تعرض حركة السوق ومؤشرات الأسهم وأرباح الشركات مثل TradingView وInvesting، لأنها تساعد على الترويج لأنشطة السوق ودخول مستثمرين أجانب جدد ومحافظ استثمارية. إن غياب أدوات جذب السيولة الأجنبية مثل توفير منصات إلكترونية تتيح للمستثمر الأجنبي دخول السوق بسهولة والتداول في السوق بسهولة عبر التطبيقات الذكية للتداول عبر الهواتف الذكية.

المشكلة التقنية ضعف البنية التكنولوجية للسوق وشركات الوسطاء. نلاحظ حتى الآن فقط شركتان من وسطاء السوق لديهما تطبيقات تداول ذكية. وهنا نركز على أنظمة إدارة السوق (IT Management) قد تبدو قديمة ولا تساعد على التداول السريع، نحتاج إلى تطويرها وزجها بدورات تدريبية مكثفة. المستثمرون يحبذون دومًا ويفضلون أدوات تفاعلية مثل التي توفرها بورصات نيويورك (NYSE) بتطبيقات آنية وسرعة تنفيذ بالثواني، السعودية (تداول) نشط وتطبيقات ذكية في صفقات تُجرى على بنوك ومحافظ استثمارية رقمية بتكامل في البورصة، كذلك الأمر في دبي وقطر، هناك منصات تداول سلسة ودعم مباشر للمستثمرين الجدد وتطبيقات ذكية للتداول عبر الهواتف الذكية.

ونرى بشكل موضوعي أن الحلول المقترحة هي:

1- تكثيف الحملات التوعية الوطنية في سوق الأسهم العراقية، خلق شراكة حقيقية ومؤثرة بين هيئة الأوراق المالية ووزارة الإعلام والمؤسسات التعليمية من أجل زيادة الدور التعليمي والتثقيفي للجمهور عن واقع الأسهم، أرى ضرورة تكثيف الجهود في إنتاج محتوى مرئي ومقالات مبسطة تشرح ما هي الأسهم وما هو الفرق بين المضاربة والاستثمار وأيضًا شرح لآخر مستجدات أسعار أسهم البورصة اليوم، تشجيع المؤثرين الاقتصاديين العراقيين على إنشاء محتوى تعليمي على تيك توك وإنستغرام ويوتيوب تشرح أنشطة وفعاليات السوق.

2- وهنا يجب علينا الاهتمام في تطوير البنية التحتية التقنية، من خلال تحديث أنظمة متداول السوق واستبدالها بأنظمة ذكية تدعم التداول السريع عبر التطبيقات، دعم الوسطاء تقنيًا وحثهم في الإسراع لتطوير تطبيقات تداول إلكترونية مدمجة وآمنة، الإسراع في تدريب كوادر السوق في الخارج ورفد الإدارة بأجيال جديدة من المبرمجين والمختصين في الأنظمة المالية.

3- وهنا نعرج إلى مهمة إستراتيجية استقطاب السيولة الأجنبية، إشراك وتقديم السوق العراقي في مؤتمرات استثمار إقليمي وعالمي، ضرورة تكثيف الجهود في إصدار تقارير سنوية بلغات أجنبية تبرز أداء الشركات العراقية القوية، وإن الأمر لا يختصر في ما ذكر أعلاه بل يتركز في تيسير الإجراءات القانونية والمالية لدخول المستثمر الأجنبي للسوق وخاصة في تبسيط إجراءات فتح الحساب المستثمر وأيضًا إجراءات فتح الزبون الحسابات المصرفية لدى المصارف.

نؤكد أن سوق العراق للأوراق المالية ليس ضعيفًا في جوهره، ولكن يحمل بين أوراقه مصارف وشركات عراقية ذات قوة مالية حقيقية وشفافية محترمة في بياناتها المالية، ولكن الأزمة في قنوات الترويج، نعم في قنوات الترويج ومهمة إيصال المعلومة وغياب تطوير البيئة التقنية، هي ما تخنق هذا السوق وتجعل أسهمه مغبونة الثمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *