كثيرة هي المتطلبات المفترض توافرها في بلدان التخلف الاقتصادي، او كما يحلو للمنظمات العالمية تسميت تلك البلدان ” بالدول الأقل نموا”، لغرض إيجاد التحول التنموي، او على الأقل التأسيس للانطلاق نحو برامج التنمية الاقتصادية الشاملة.
ان التنمية الاقتصادية باعتبارها ثورة اقتصادية تنطلق لإيجاد واقع جديد يتقاطع مع ما هو سائد من متغيرات تدور بحلقات مفرغة تنتج فقرا وبطالة وامية ابجدية وحضارية وضمور في القطاعات الإنتاجية واعتماد على مصادر دخل غير مستدامة وتراجع في الصحة العامة وتدهور في مؤشرات البيئة وتخلف تكنلوجي….الخ، فهي أي التنمية بحاجة لإرادة سياسية شرطا ضروريا وليس كاف، مع منظور استراتيجي وخطط عملية واقعية وأداء فاعل يضمن تحقيق التحسن المستدام بالمؤشرات انفة الذكر.
ولعل التحدي الاقتصادي الكبير الذي يواجه تلك الدول المتخلفة، يكمن بقضية التمويل المالي لبرامج التنمية الاقتصادية، فتلك الموارد بطبيعة الحال تكون شحيحة، وبدونها يتعذر إقامة المشاريع الاقتصادية الكفيلة بتحقيق التحول النوعي في النشاطات الاقتصادية.
انطلق نموذج (هاردو – دومار) التنموي من هذه المشكلة المعوقة للتنمية الاقتصادية لينظر الى فكرة توفير التمويل في تلك الاقتصادات المتخلفة عبر (حفز الادخار) وتوجيهه الى الاستثمارات، واكد هذا النموذج على وجوب ان تكون العوائد المتحققة عن الاستثمارات تفوق حجم (الاهلاك) في راس المال لغرض استدامة الادخار وتحويله من جديد الى استثمارات، وهكذا تدور العجلة الاقتصادية في خلق الوحدات الاقتصادية المنتجة بما يضمن تجاوز السلبيات المرافقة لحلقات التخلف.
واستنادا لهذا النموذج التنموي، لا بد من توافر جهاز مصرفي يعمل في الاقتصاد على تحقيق هذه المعادلة، فالادخار متغير تابع للجهاز المصرفي، كونه أي الجهاز المصرفي وعبر العملية الائتمانية يقوم عبر سياساته باستقطاب الأموال الموجودة لدى الافراد على شكل ودائع بأشكالها كافة (الجارية والزمنية) كونها أموال غير مستغلة اقتصاديا، ليحولها نحو قطاع الاعمال عبر القروض الممنوحة لهذا القطاع الذي يكون بطبيعة الحال بحاجة لها، وهذا يعني ان دور الجهاز المصرفي هو دور توازني بين الفائض المالي لدى الافراد الذين يملكون المال لكنهم لا يملكون الفكر الاستثماري، وتحويله لرجال الاعمال الذي يملكون الفكر الاستثماري لكنهم يعانون من عجز مالي.
دور الجهاز المصرفي
هذا باختصار شديد دور الجهاز المصرفي المفترض تحققه لغرض الانطلاق نحو التنمية الاقتصادية الشاملة، ولكن للأسف الشديد هذا الدور غائب عن الاقتصاد العراقي بشكل كبير جدا، مما شكل عائقا حقيقيا ،إضافة الى عوامل أخرى لا متسع لذكرها الان، لإيجاد المقدمات للانطلاق نحو التنمية الشاملة.
يملك العراق بحدود (70) مصرفا ، (7) حكومية و (23) أهلية تجارية و(28) أهلية إسلامية إضافة الى (12) فرع لمصارف اجنبية.
لكن دورها المفترض والمذكور انفا غير واضح ولا يلمس المراقب له اثر في تحقيق عملية التوازن المالي، اذ تشير الإحصاءات الصادرة عن البنك المركزي العراقي ان بحدود (88%) وهي معدل نسبة ما مصدر من عملة وطنية من قبل البنك المركزي هو نقد في التداول أي ما بحوزة الافراد، والمتبقي هو حصة المصارف مجتمعة، وهذا خلل بل فشل في السياسة الائتمانية التي لم تنجح في استقطاب كل تلك الأموال على شكل ودائع ادخارية لديها، وهذا يعني ضعف شديد في تحول تلك الأموال في حوزة الافراد نحو قطاع الاعمال الذي يعاني من ضمور شديد، وهذا ما يفسر الى حد ما تراجع مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي في العراق، وعلى سبيل المثال تساهم الصناعة التحويلية (2%) معدل نسبة مساهمة، وهذا احد مؤشرات الفشل التنموي كون الصناعة التحويلية تعد مرتكز أساس في تحقيق التنمية الاقتصادية.
ويضاف الى ذلك مشكلة العقوبات المفروضة من قبل المنظومة المالية الدولية على المصارف العراقية والتي بلغت قرابة (35) مصرفا بسبب نشاطاتها غير القانونية.
الاختلال الهيكلي في الاقتصاد العراقي
ان الاختلال الهيكلي في الاقتصاد العراقي دفع المنظومة المصرفية في العراق الى الانحياز نحو نشاطات غير النشاط المفترض القيام به والمذكور انفا، اذ تحولت اغلب تلك المصارف الى مؤسسات تعتمد على تحويلات الدولار لتحقيق أرباح عالية، ناهيك عن ضعف انفاذ القانون مما ورط بعضها بنشاطات غسيل أموال وتهريب العملة الأجنبية وغير ذلك من التفاصيل.
ان هذا الواقع المصرفي، جعل قضايا التنمية الاقتصادية والدور المفترض لهذه المصارف في عملية التوزان المالي معطل او مشلول.
ان الإصلاح المصرفي بات ضرورة، والعملية بحاجة لخطوات تصحح المسار عبر الامتثال للمعايير الدولية وتفعيل الجانب الرقابي وحوكمت الإجراءات المصرفية وانفاذ القانون، إضافة الى التركيز على النشاطات العابرة للحدود، وكل ذلك يجب ان يكون مشفوعا بالإصلاحات المؤسساتية الإدارية، عبر اتخاذ ما يلزم بخصوص دمج المصارف واتمتة العمل المالي لها وتحديد معايير دقيقة تخص مراقبة رأسمالها وسياساتها الائتمانية ومراقبة ميزانياتها، والتركيز على قضايا الشمول المالي وتوسعته الى اقصى حد ممكن وإيجاد السبل لزرع الثقة بعمل المصارف لجذب الجمهور نحو التعامل معها وغير ذلك.


