تحركات عسكرية أمريكية مثيرة للجدل
التنقلات العسكرية للقوات الأمريكية تثير عدة تساؤلات لأي متابع سياسي أو خبير عسكري. ماذا تنوي أميركا؟ هل هي حرب ثالثة تشن على إيران ولبنان واليمن والعراق بان واحد، أي أن أميركا لديها خارطة مستقبلية للمنطقة تريد من خلالها إعادة رسم شرق أوسط جديد كما هي الأجندة التي أعلنها نتنياهو؟ أم هناك فقط انتقالات روتينية كما يصفها بعض القادة العسكريين الأمريكيين؟
جذور الوجود العسكري الأميركي في الخليج
يعود الوجود العسكري الأمريكي المباشر بالمنطقة إلى حرب الخليج الثانية في 1991/1992، التي قادت من خلالها الولايات المتحدة الأمريكية تحالفًا دوليًّا لصد الهجوم العراقي على دولة الكويت. بعدها احتفظت الولايات المتحدة بعدد من القواعد العسكرية في الخليج. هذه القواعد مثلت ركائز للانتشار الأمريكي في منطقة الخليج، بل وفي الشرق الأوسط كله، خاصة مع وجود منطقة القيادة المركزية في المحيط الهندي، وانتشار عدد من حاملات الطائرات الأمريكية في المحيط.
وقطر، والمملكة العربية السعودية، والكويت، والإمارات العربية، وعمان، والبحرين.
تقلبات التواجد العسكري الأميركي عبر العقود
ورغم اختلاف حجم ونوعية الانتشار الأمريكي في المنطقة منذ ذلك الحين، ساد الاتجاه خلال إدارة الرئيس السابق أوباما إلى تخفيض هذا التواجد تدريجيًّا، وحرص خلفه الرئيس ترامب على الحد من العمليات العسكرية الخارجية، لكن الأزمة الإيرانية التي شهدتها منطقة الخليج منذ شهر مايو 2019، كانت سببًا مباشرًا لزيادة حجم التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة، ونشاطًا لقواعدها العسكرية فيها. وبالفعل عززت الولايات المتحدة قواتها الموجودة في المنطقة تصاعدًا مع تطورات الأزمة المعنية، وتأمينًا لمصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة (إسرائيل ودول الخليج العربي).
العراق محور المواجهة الأميركية الإيرانية
وجاءت التطورات الأخيرة على الساحة العراقية لتمثل تحولًا مهمًّا في مسار الأزمة الأمريكية الإيرانية، على نحو قد يحول مسارها من التهدئة إلى التصعيد وربما المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران (عبر وكلائها). إذ استهدف هؤلاء الوكلاء الوجود الأمريكي بالعراق عبر استهداف القوات الأمريكية بقاعدة (K1) بكركوك ومحاصرة سفارتها ببغداد، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة لاغتيال قائد فيلق القدس الشهيد قاسم سليماني ورفيق دربه الشهيد أبو مهدي المهندس على أراضي العراق، لترد إيران بقصف صاروخي فجر يوم 8 يناير 2020 على قاعدتين أمريكيتين غرب وشمال العراق.
مع استمرار التهديد الإيراني بحق الرد على جرائم الاغتيالات المتكررة من الجانبين الأمريكي والإسرائيلي للعلماء والقادة الإيرانيين في عدة أماكن داخل إيران وخارجها، وكذلك اغتيال المسؤول السياسي لحركة حماس الشهيد إسماعيل هنية على أراضي إيران بعملية غادرة دبرتها أجهزة الموساد.
هجمات المقاومة بعد السابع من أكتوبر
بعد أحداث السابع من أكتوبر التي هزت إسرائيل، وتعرضت إسرائيل للعديد من الهجمات من جانب حزب الله والمقاومة الفلسطينية وكذلك من اليمن كرد على العدوان الإسرائيلي على لبنان، إيران في العراق، خاصة وأن أمريكا مستمرة بدعم الكيان.
كما أن القوات الأمريكية المنتشرة في بعض المحافظات العراقية لن تكون في مأمن، كما لم تستبعد استهداف القواعد الأمريكية الأخرى، حتى تخرج القوات الأمريكية من العراق ومن المنطقة.
الرد الإيراني المزلزل على إسرائيل
بعد الضربة التي وجهتها إسرائيل لإيران حدث ما لم يكن في الحسبان من رد مزلزل على إسرائيل بعد ساعات من اغتيال القادة والعلماء الإيرانيين في هجوم مقابل دام 12 يومًا، دمرت إيران العديد من المنشآت العسكرية والمنشآت النفطية والبنية الاقتصادية في إسرائيل.
قاعدة العديد في قطر هدف إيراني
لم تتوقف هذه الحرب المستعرة حتى وجّهت إيران ضربة قوية إلى أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط وهي قاعدة العديد في قطر. أدى هذا الموقف المحتقن إلى إثارة تساؤل مهم: هل تريد إيران إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بضربها لكل القواعد في الخليج والمنطقة؟
تصعيد محتمل أم رد محدود؟
وهل كانت العملية الإيرانية الأخيرة بداية لتصعيد جديد؟ أم إنها مجرد رد فعل محدود لإيصال رسالة إلى واشنطن؟ الإجابة تتطلب معرفة طبيعة الوجود العسكري الأمريكي بالمنطقة، بالإضافة إلى معرفة مدى توافقه مع سياسات واشنطن تجاه المنطقة.
تحركات القوات الأميركية الأخيرة
في الأيام الأخيرة، غادرت حوالي ثماني ناقلات أمريكية قاعدة العديد خلال الساعات القليلة الماضية، ويُحتمل أنها كانت تحمل عدة أسراب مقاتلة.
كما غادرت المنطقة أمس طائرتا أواكس أمريكيتان متمركزتان في قاعدة الملك سلطان الجوية بالسعودية. إخلاء المنطقة أمرٌ مشكوك فيه.
ومن جانب آخر، قوات أميركية تغادر قاعدة عين الأسد متوجهة إلى أربيل في أسراب من الناقلات والأسلحة الثقيلة.
شكوك حول الهدف النهائي للتحركات
تثار الان شكوك عديدة: ما هو الهدف من هذه التحركات في هذه القواعد؟ هل هي التحضير لحرب قاب قوسين أو أدنى لهجمة وشيكة على إيران بالتنسيق مع إسرائيل، أم فقط لإيصال رسائل مشفرة لخصوم أمريكا في المنطقة، وهي المقاومة التي كانت وما زالت تقلق الكيان لأنها تحيط به من عدة جوانب بتهديد وجوده على الأرض؟


