في التحليلات السياسية للأزمات العالمية، غالبا ما يتم حصر دائرة التأثير في الولايات المتحدة، ويغفل الدور العميق والخطير الذي تمارسه بريطانيا خلف الستار.
بريطانيا، الإمبراطورية السابقة التي “لا تغيب عنها الشمس”، لم تتخلّ قط عن أدوات نفوذها في الشرق الاوسط، بل أعادت تشكيلها لتناسب معطيات القرن الحادي والعشرين.
فبينما تتصدر واشنطن واجهة الصراعات، تستمر لندن في تحريك الخيوط من وراء الستار، بذكاء استعماري موروث وحنكة دبلوماسية لا تزال راسخة في الجغرافيا السياسية للمنطقة.
•العراق: بصمات بريطانية في بنية الدولة
منذ الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق عام 2003، لعبت بريطانيا دورا مركزيا في رسم ملامح النظام الجديد، لكنها تعمدت أن تبقى في الظل، تاركة الولايات المتحدة في الواجهة.
تمركز النفوذ البريطاني في الجنوب العراقي، وخاصة في البصرة، حيث نسجت شبكات استخباراتية كبيرة وخطيرة، كما احتفظت بنفوذ قوي على بعض النخب السياسية والاقتصادية.
الأخطر من ذلك، أن البريطانيين عملوا على ترسيخ نظام المحاصصة الطائفية والعرقية على مستوى العراق، مساهمين في تعقيد المشهد السياسي وتفخيخ الدولة من الداخل.
وقد استفادت بريطانيا من علاقتها القديمة ببعض الزعامات، والرموز العراقية، لتشكيل أدوات تأثير ناعمة، غير مرتبطة بها علنا، لكنها تخدم مصالحها.
إضافة الى ان لندن كانت من أبرز الداعمين لتقوية إقليم كردستان سياسيا واقتصاديا، بطرق تجاوزت حتى ما قدمته واشنطن، وقد فتحت قنوات مباشرة مع قيادات كردية، في إطار مشروع بعيد المدى لتقسيم العراق فعليا إلى أقاليم متصارعة أو شبه منفصلة.
ورغم انسحابها العسكري في 2009، لا تزال بريطانيا حاضرة بقوة في ملفات الاستثمار النفطي، والتعليم، والمجتمع المدني، وعبر برامج “بناء السلام”، التي تمولها منظمات مثل (المجلس الثقافي البريطاني، السلام الدولي، وصندوق النزاع والاستقرار والامن) وغيرها التي تحمل طابعا غير حكومي (NGOs)، لكنها مرتبط بشكل وثيق بوزارة الخارجية البريطاني، وقد كان لها دور كبير فيما يعرف بثورة تشرين.
•سوريا: تحريك اللعبة من خلف الستار
في الأزمة السورية، يبدو للوهلة الأولى أن بريطانيا لاعب ثانوي مقارنة بالولايات المتحدة وروسيا، لكن التدقيق في تفاصيل الأحداث يكشف العكس.
بريطانيا كانت من أوائل من دعم تشكيل الكيانات السياسية المعارضة، وقدّمت تمويلا مباشرا عبر مؤسسات ذات طابع إنساني أو تنموي، والتي كانت في الحقيقة أدوات دبلوماسية ناعمة لإعادة تشكيل المجتمع السوري لما بعد الأسد.
من بين الجهات التي مثلت هذا الدور “منظمة سوريا للإغاثة” (Syria Relief) التي عملت من بريطانيا، وارتبطت بعدد من الشخصيات ذات التأثير، مثل “كلير حجاج” المستشارة السابقة في مؤسسة توني بلير، والتي تنحدر من أصول فلسطينية يهودية مختلطة، وعملت في ملف السياسة البريطانية في الشرق الأوسط، مستخدمة خطاب العدالة والمصالحة للترويج لمقاربات ناعمة تتقاطع مع المصالح البريطانية.
وتعمل “حجاج” حاليا كمستشار للرئيس السوري الانتقالي ولديها مكتب خاص في قصر الشعب.
وهدف هذه المؤسسات ليس كما تدعي “التغيير الديمقراطي”، بل الهدف العميق هو إعادة هندسة المجتمع السوري، بما يضمن إخضاعه لتوجهات غربية وبريطانية الطابع، تحت عناوين إعادة الإعمار، والعدالة الانتقالية، ومحاسبة النظام.
• الدور البريطاني: بين إيران وتركيا وروسيا
-مع إيران، تمسكت بريطانيا بسياسة مزدوجة، عبر لعب دور دبلوماسي وسطي في جميع القضايا، بينما كانت لندن تؤوي العديد من الشخصيات المعارضة، وتستضيف نشاطات إعلامية وسياسية تعمل بشكل مباشر وغير مباشر ضد نظام الجمهورية الاسلامية.
كما تحاول عبر مؤسسات مثل “بي بي سي الفارسية” (BBC Persian) و”إيران إنترناشيونال” (Iran International) لتشكيل وعي جمعي لدى الإيرانيين، وتحريك القضايا الحساسة.
-أما في تركيا، فالعلاقة أكثر براغماتية، خصوصا في ظل تصاعد الدور التركي في الإقليم.
وتسعى بريطانيا للتقارب الاقتصادي والسياسي مع أنقرة، لكن من دون أن تغفل عن توظيف قضايا مثل حقوق الإنسان واللاجئين والقضية الكردية كأوراق ضغط عند الحاجة.
– أما مع روسيا، فيظهر الوجه الحقيقي لبريطانيا، والعداء الصريح الذي لا تخفيه كما تفعل في ملفات الشرق الأوسط، بل تقوده بوضوح من بوابة أوكرانيا، حيث كانت لندن من أوائل من سلّح كييف وقدّم لها تدريبات استخبارية وميدانية، وساهمت بإشعال شرارة المواجهة مع موسكو.
وهذا العداء لا يقتصر على أوروبا، بل يُوظَّف إقليميا أيضا، من خلال أدوات الحرب الإعلامية والدبلوماسية، وسعي حثيث لعزل روسيا عن ملفات حيوية كليبيا وسوريا، وتحجيم نفوذها في شرق المتوسط.
• الدبلوماسية الناعمة للاستعمار الجديد:
لا شك أن بريطانيا، لم تعد إمبراطورية عالمية كما في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لكنها لا تزال تمارس دورا استعماريا ناعما وخفيا في الشرق الأوسط.
فهي لا تدخل المعركة بجنودها، بل بجمعياتها ومنظماتها وإعلامها و”خبرائها”.
إنها الإمبراطورية التي عرفت أن العالم تغيّر، فغيّرت أدواتها.
وما يقال عن بريطانيا يمكن تعميمه على أنماط جديدة من الهيمنة الغربية، لكن الفارق أن بريطانيا تتقن اللعبة أكثر من غيرها، فهي تتحدث باسم القيم، لكنها تخطط بلغة المصالح.
• اخيرا:
في الوقت الذي نسلط فيه الأنظار على واشنطن، يجب ألا نغفل عن لندن، التي تراقب وتوجّه وتحرّك في الكواليس.
انها تخلت عن زيّ الجندي، وارتدت ثوب المصلح، لكنها ما زالت هنا… تتحكم، بينما تتلقى امريكا اللوم لوحدها.


