ارفعوا الحصانة عن الرؤساء والنواب… فلا دولة بلا حساب..

رفع الحصانة عن الرؤساء والنواب فلا دولة بلا حساب
دعوة إلى رفع الحصانة عن الرؤساء والنواب عند ثبوت الفساد، لأن الدولة لا تنهض بلا محاسبة وعدالة أمام القانون...

رفع الحصانة ومسؤولية المنصب العام

في الدول التي تحترم القانون، لا يكون المنصب العام درعاً يحتمي خلفه المسؤول. بل يكون مسؤولية ثقيلة تفرض عليه أعلى درجات النزاهة والشفافية. فالديمقراطية الحقيقية لا تُقاس بعدد الانتخابات فقط، وإنما تُقاس بقدرة الدولة على محاسبة أصحاب النفوذ قبل محاسبة المواطنين العاديين.

لقد أثبتت تجارب الشعوب أن أخطر ما يهدد الدولة ليس الفساد وحده، بل وجود منظومة سياسية وقانونية تجعل كبار المسؤولين بمنأى عن المساءلة، بينما يُحاسب صغار الموظفين على أبسط الأخطاء. وعندما تتحول الحصانة إلى وسيلة للإفلات من العقاب، فإنها تفقد معناها الدستوري.

فالغاية الأصلية من الحصانة هي حماية العمل التشريعي والسياسي من الكيدية، لا حماية الفاسدين من العدالة. ومن هنا، يصبح رفع الحصانة عن كل من تثبت عليه شبهات جدية أو أدلة واضحة خطوة ضرورية لحماية الدولة، لا لإضعافها.

لا حصانة أمام جرائم الفساد

إن رئيس الوزراء، ورئيس الجمهورية، وأعضاء مجلس النواب، وكل من يتولى منصباً عاماً، هم موظفون مؤتمنون على أموال الشعب وحقوقه ومستقبل أجياله. ولذلك، لا يجوز أن تتحول مناصبهم إلى حواجز تمنع الوصول إلى الحقيقة أو تعطّل مسار العدالة.

فإذا ثبتت بالأدلة إدانة أي منهم بجرائم فساد مالي أو إداري، أو بإساءة استعمال السلطة، أو بالإضرار بالمصلحة العامة، فلا يجوز أن تبقى الحصانة عائقاً أمام القضاء. فالمساواة أمام القانون هي أساس الدولة الحديثة.

ولا يمكن بناء مؤسسات قوية إذا كان القانون يطبق على الضعفاء، ثم يتوقف عند أبواب أصحاب النفوذ. فالدولة التي تسمح بهذا الخلل تفقد هيبتها، وتفتح الطريق أمام توسع الفساد داخل مؤسساتها.

غياب المحاسبة وخطر العدالة الانتقائية

إن غياب المحاسبة يفتح الباب أمام نهب المال العام، ويشجع على تكرار التجاوزات. كما يزرع اليأس في نفوس المواطنين الذين يشعرون بأن العدالة أصبحت انتقائية، وأن القانون لا يتحرك إلا ضد من لا يملك حماية سياسية أو نفوذاً.

أما عندما يرى الشعب أن القضاء يلاحق كل من تثبت إدانته، مهما كان منصبه، فإن ذلك يعيد الثقة بالدولة، ويعزز هيبتها، ويؤكد أن السلطة تكليف لا تشريف. فالمسؤولية العامة لا معنى لها من دون رقابة ومحاسبة.

ولهذا، لا يمكن فصل إصلاح الدولة عن إصلاح معنى الحصانة نفسها. فالحصانة التي تحمي الفاسد تقتل ثقة الناس، أما الحصانة التي تحمي العمل الدستوري من الكيدية، فهي جزء من بناء النظام السياسي السليم.

تجارب العالم ومحاسبة كبار المسؤولين

لقد شهد العالم الديمقراطي محاكمات لرؤساء دول، ورؤساء حكومات، ووزراء، ونواب. ولم يؤد ذلك إلى انهيار أنظمته، بل زادها قوة واحتراماً. فالدولة التي تحاسب كبار مسؤوليها هي دولة تحمي نفسها من الفساد.

أما الدولة التي تمنح المسؤولين حصانة دائمة، فإنها تتحول تدريجياً إلى دولة رخوة، تتغلب فيها المصالح الشخصية على المصلحة الوطنية. وعندها، يصبح المنصب وسيلة للنجاة من الحساب، لا مجالاً لخدمة الناس.

ومن هنا، فإن المحاسبة لا تهدد الدولة، بل تحميها. فالخطر الحقيقي لا يأتي من مساءلة المسؤول، بل من تركه فوق القانون، ومنحه القدرة على تعطيل العدالة باسم المنصب أو النفوذ أو الانتماء السياسي.

العراق والحاجة إلى إصلاح تشريعي وقانوني

إن العراق اليوم بحاجة إلى إصلاح تشريعي وقانوني يعيد تعريف الحصانة بوصفها ضمانة لممارسة الواجبات الدستورية، لا ملاذاً للهروب من العدالة. كما يحتاج إلى قضاء مستقل يمتلك الإرادة والقدرة على فتح جميع ملفات الفساد دون تمييز أو انتقائية.

ويحتاج العراق أيضاً إلى استرداد الأموال المنهوبة، ومحاسبة كل من اعتدى على المال العام. فهذه الأموال ليست ملكاً للأحزاب أو المسؤولين، بل هي حق الشعب، وأمانة في رقبة الدولة ومؤسساتها.

إن المعركة الحقيقية ليست بين الأحزاب، ولا بين الحكومة والمعارضة، وإنما بين دولة القانون ودولة الفوضى. فإما أن ينتصر مبدأ العدالة، وإما أن يستمر نزيف الفساد، وتتآكل ثقة المواطنين بمؤسساتهم.

لا دولة بلا حساب

إن العراق لن ينهض ما دام الفاسد يشعر بأنه فوق القانون. ولن تستقيم الديمقراطية إذا بقيت المناصب العليا تتمتع بحصانة تمنع الوصول إلى الحقيقة. لذلك، فإن الرسالة التي يجب أن يسمعها الجميع هي:

لا حصانة أمام الفساد… ولا أحد فوق القانون.

فإذا ثبتت الإدانة، يجب أن يخضع أي مسؤول للمحاسبة، مهما كان موقعه أو نفوذه أو انتماؤه السياسي. عندها فقط يمكن للعراقيين أن يؤمنوا بأن دولتهم تسير نحو العدالة، وأن القانون أصبح سيد الجميع.

وعندها أيضاً، يدرك المواطن أن المال العام لم يعد مباحاً لحيتان الفساد، بل أصبح أمانة يحميها القضاء، وتحرسها إرادة الشعب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *