وراء قناع “الأنا المتفجرة”: الأسباب الحقيقية وراء هستيريا ترامب ضد إيران

هستيريا ترامب ضد إيران وأسباب التصعيد الأميركي
قراءة في أسباب التصعيد اللفظي لترامب ضد إيران، وعلاقته بالأزمات الداخلية، وصدمة التشييع، وصراع الزعامة مع نتنياهو...

هستيريا ترامب ضد إيران وخطاب التصعيد

شهدت الساحة الدولية مؤخراً جولة جديدة من التصريحات الحادة للرئيس ترامب.

فقد وصف الإيرانيين وقادتهم بألفاظ خارجة عن الدبلوماسية، مثل «الحثالة، المرضى، العنيفين، والكاذبين».

ومن خلال هذا الخطاب، حاول تبرير انسحابه من الاتفاق الأخير المؤلف من أربع عشرة نقطة، والذي يبدأ بوقف الأعمال الحربية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان.

كما ارتبطت هذه التطورات ببند يتصل بإدارة إيران للملاحة في مضيق هرمز، وبإطاحة جهود الوساطة القطرية والباكستانية.

غير أن القراءة الاستراتيجية والنفسية لشخصية ترامب وسلوكه السياسي تكشف أن هذه «العنترية اللفظية» لا تعبّر عن قوة حقيقية، بل تكشف أزمات أعمق، وتفجراً في «الأنا النرجسية» التي تحركه.

الهروب من الأزمات الشخصية والقانونية

تأتي تصريحات ترامب في وقت يواجه فيه حكماً قضائياً نهائياً في نيويورك، يلزمه بدفع ملايين الدولارات في قضايا اعتداء جنسي وتشهير بعد ثلاثين سنة من المماطلة، إلى جانب تسريبات وثائقية تمس سيرته الأخلاقية.

وكما يقول الشاعر المتنبي: «وَإِذا أَتَتكَ مَذَمَّتي مِن ناقِصٍ… فَهِيَ الشَهادَةُ لي بِأَنِّيَ كامِلُ»، فإن ترامب يحاول، وفق هذه القراءة، تصدير اتهامات «الكذب» إلى الآخرين، كي يتغطى بها ويعيد توجيه الأنظار بعيداً عن أزماته الداخلية.

فهذه الأزمات تظهره في موقع لا يتسق مع صورته التي يكررها عن نفسه بوصفه صاحب المرتبة الأولى في كل شيء.

ولذلك، يتحول الهجوم اللفظي على إيران إلى محاولة للهروب من الداخل، لا مجرد موقف خارجي محسوب.

عقدة الرد الإيراني وصدمة العشرين مليوناً

السبب الجوهري لحقد ترامب وفجيعته السياسية يعود، وفق هذه القراءة، إلى فشل الرهان على العدوان الغادر الذي نفذه بالاشتراك مع نتنياهو في الثامن والعشرين من شباط/ فبراير الماضي، والذي أدى إلى استشهاد الإمام القائد السيد علي الخامنئي.

كانت «الأنا المتفجرة» لترامب تتوقع سقوطاً في الداخل الإيراني. لكن الصدمة جاءت من مشهد خروج أكثر من عشرين مليون مشيع، في مظهر من الحب والوفاء لا يستوعبه عقل نرجسي يرى العلاقات من منظور مادي وتجاري.

لقد أثبت هذا الحشد المليوني للعالم أن قوة إيران تكمن في تلاحمها العقائدي والشعبي.

ولهذا، حاول ترامب التغطية على هذه الحقيقة عبر هجوم لفظي شرس على إيران وحكامها، وتحويل المشهد من لحظة وفاء جماهيري إلى ساحة اتهامات وتصعيد.

صراع الزعامة في قمة الدول السبع والناتو

لم تقتصر شظايا «الأنا» الترامبية على إيران. فقد طالت أيضاً حليفه نتنياهو في قمة الدول السبع الأخيرة، حيث شن عليه هجوماً حاداً بعد تسريب تصريحات منسوبة إلى نتنياهو في مجالسه الخاصة، وصف فيها ترامب بأنه «ألعوبة بيده»، وأنه جرّه إلى العدوان على إيران.

ولأن ترامب لا يقبل إلا أن يكون «الأول»، تعمد استعراض سلطته عبر التأخر عن اجتماعات رؤساء الدول السبع،

والتصرف بفوقية مطلقة. أراد من ذلك أن يرسل رسالة واضحة بأنه «الرئيس» الفعلي الذي لا يُقاد، ولا يسمح لأحد بأن يظهره تابعاً أو أداة في يد غيره.

وفي سياق متصل، استغل ترامب اجتماع الناتو في تركيا للإطاحة بالاتفاقيات مع إيران،

واعتبرها منتهية بحضور الأمين العام لحلف الناتو. كما قام بخطوات غريبة، من بينها استدعاء «أبو محمد الجولاني» لتقديم تنازلات سياسية تخدم مصالحه الخاصة في المنطقة، ضمن صفقة مشبوهة تعكس نهجه القائم على تصفية الحسابات وإدارة الأزمات عبر صفقات تحت الطاولة.

التخاذل الدولي ومسؤولية مجلس الأمن

أمام هذا العدوان الصارخ، والاعترافات الضمنية بمحاولة تقويض الاستقرار الإقليمي، يصمت مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة صمتاً مريباً.

وهذا الصمت، وفق هذه القراءة، لا يعكس عجزاً فقط، بل يعكس تآمراً واضحاً بدلاً من تطبيق «قوة القانون».

فترامب، الذي يعلم في قرارة نفسه حجم الجرم الذي ارتكبه بدعمه اللامحدود لنتنياهو في غزة ولبنان واغتيال القادة،

يدرك اليوم أنه بات، مع شركائه، في موقع المطالبة بالعدالة. ولذلك، لا يبدو تصعيده منفصلاً عن محاولة الهروب من المسؤولية السياسية والأخلاقية.

وعلى المجتمع الدولي أن يعي أن استمرار التغاضي عن هذه العجرفة قد يقود المنطقة إلى انفجار شامل.

فالعالم واجه اليوم أكثر من خمسة وثلاثين مليوناً من الشعبين الإيراني والعراقي، إضافة إلى جماهير تتحرك في لبنان بوفاء عقائدي.

غضب العاقل واحتمالات التحول

ينبغي على الجميع الحذر من «غضب العاقل»، ومن قدرة هذه الملايين على الانضباط أو التحرك ضمن موقف واحد قادر على تغيير موازين القوى بالكامل.

فالمسألة لم تعد مجرد سجال لفظي بين زعيمين أو دولتين، بل أصبحت مواجهة بين منطق الهيمنة ومنطق الصمود الشعبي والعقائدي.

إن هستيريا ترامب ضد إيران لا تكشف قوة في القرار، بل تكشف ارتباكاً عميقاً في قراءة الداخل الإيراني، وفي فهم أثر الشهادة والحضور الجماهيري والوفاء الشعبي.

كما تكشف أن الخطاب العدواني قد يتحول إلى غطاء لأزمات شخصية وسياسية وقانونية لا يريد صاحبها أن يراها العالم.

وإن غداً لناظره قريب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *