العراق ولبنان على أعتاب تصعيد إسرائيلي مزدوج.. هل بدأ العدّ العكسي للمعركة الشاملة؟

العراق ولبنان على أعتاب تصعيد إسرائيلي مزدوج.. هل بدأ العدّ العكسي للمعركة الشاملة؟
إسرائيل تتبع سياسة استنزاف في لبنان، وتحضّر لاستهدافات نوعية في العراق، ضمن خطة لتطويق إيران عبر "الساحات الطرفية". المشهد ينذر بانفجار إقليمي وشيك، وقد تصبح "وحدة الساحات" واقعًا ميدانيًا لا مجرد شعار...

في مشهد إقليمي يزداد اضطرابا، تلوح في الأفق مؤشرات تصعيد كبير وخطير على جبهتي لبنان والعراق، فالتكتيك الإسرائيلي، الذي بات يتسم بغطرسة متزايدة، ترافقه تصريحات مموهة من واشنطن، ينذر بتحول نوعي في معادلة الصراع بين تل أبيب ومحور المقاومة، وربما يكون تمهيدا لما هو أوسع وأبعد، واستهدافا جديدا للجهورية الإسلامية في إيران.

•لبنان: رسائل نارية تتجاوز التهدئة

رغم دخول اتفاق الهدنة حيز التنفيذ منذ أواخر العام الماضي، والتزام حزب الله الكامل ببنوده، لا تزال إسرائيل تشن ضربات جوية مركزة على الأراضي اللبنانية، طالت مناطق مدنية وأسفرت عن استشهاد العشرات، معظمهم من المدنيين، في وقت يدّعي فيه الاحتلال أن المستهدفين ينتمون إلى فصائل المقاومة.

هذه الضربات المتفرقة، رغم انها لا تنذر بحرب شاملة في المدى القريب، لكنها تشير إلى سياسة استنزاف مدروسة، تهدف إلى إنهاك قدرات المقاومة، وشل حركتها عبر الضغط المستمر وخلق بيئة أمنية هشّة، والتصريحات الإسرائيلية العلنية تعزز هذا الاتجاه، حيث أكدت تل أبيب أن الهجمات ستستمر “طالما اقتضت الحاجة”.

في المقابل، تبدي الولايات المتحدة موقفا متناغما مع إسرائيل، رغم دورها كوسيط معلن، فقد دعت مؤخرا وعبر مبعوثها الخاص توماس باراك، الحكومة اللبنانية الى ابرام اتفاق جديد، الامر الذي تم رفضه بشكل قاطع على لسان الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، وهذا التغير في موقف واشنطن، يفهم ضمنا كضوء أخضر لاستمرار الاعتداءات الصهيونية، تحت مظلة الغطاء السياسي الغربي.

كل ذلك يأتي بعد رفض الحزب، للضغوط الأمريكية المكثفة على الدولة اللبنانية، والتي دعت إلى (نزع!!) سلاح المقاومة، قبل تنفيذ إسرائيل لأي من التزاماتها في الاتفاق الحالي، والتي تشمل وقف الاعتداءات، والانسحاب من الأراضي المحتلة، وتسليم الأسرى، والشروع في إعادة الإعمار، وهي بنود لم تلتزم بها تل أبيب حتى اللحظة.

العراق: ساحة تترقب

على الجبهة الشرقية للمحور، تصاعدت المخاوف من سيناريو مشابه في العراق، حيث حذر مسؤولون كبار في إيران ورجال دين عراقيين مطلعين، القيادة السياسية الشيعية وفصائل المقاومة من “هجمات نوعية تستهدف قيادات بارزة ومواقع حساسة”، ويأتي هذا التحذير وسط رصد مكثف لتحركات جوية واستطلاعية شبه يومية قرب مواقع الحشد الشعبي في محافظات مختلفة.

ويرجّح الخبراء أن تنفيذ هذه الضربات سيتم من داخل قواعد أميركية أو عبر خلايا استخبارية وعملاء منتشرين في العراق، وهو ليس أمرا مستبعدا، خصوصا بعد سلسلة تقارير مؤكدة عن نشاط استخباري إسرائيلي واسع في شمال العراق.

• وحدة الساحات: من شعار إلى واقع متحرك

منذ انطلاق عملية “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023، بدأ محور المقاومة في تفعيل ميداني جزئي لنظرية “وحدة الساحات” التي تعني أن استهداف أي جبهة للمقاومة سيقابل بردود من جبهات أخرى، فارتباط الأحداث من غزة إلى الضفة إلى لبنان والعراق ومن إيران الى اليمن لم يكن مجرد تزامن عفوي، بل جزء من سياق استراتيجي يتكرّس تدريجيا، ولو بشكل غير مكتمل.

وبعد الاعتداء المركب الذي نفذه الكيان، ضد إيران في 13 يوليو 2025، والذي استهدف منشآت عسكرية ونووية، وتلقت تل أبيب على اثره، ردا موجعا ومدمرا من طهران، أدى الى هزيمتها وطلبها لوقف اطلاق النار، ما سيدفعها إلى خيار الالتفاف نحو “الساحات الطرفية” في لبنان والعراق تمهيدا لضربة ثانية ضد إيران.

من هنا، فإن التصعيد المحتمل في هاتين الساحتين يمكن قراءته كاختبار مبكر لمدى تماسك المحور واستجابته، أو كمحاولة لاستنزاف موارده وتشتيت جبهاته قبل فتح أي مواجهة إقليمية واسعة، ومع عدم رغبة واشنطن في ضبط نتنياهو وتواطؤها معه، كما فهم من كلام  توماس باراك عندما قال في زيارته الأخيرة للبنان، إن “الولايات المتحدة لا تستطيع إلزام إسرائيل بشيء”، تبدو المنطقة أمام لحظة انفجار نوعي جديد.

• بين معركة التصدير ومعركة الوجود

في قلب المشهد، تبدو إسرائيل اليوم أمام خيارين: إما تقبل الهزيمة والانكفاء، أو القيام بتصعيد كبير لتصدير أزماتها الداخلية، فحكومة نتنياهو التي تواجه مأزقا قضائيا وشعبيا متفاقما، تسعى لخلق “نصر خارجي” يعيد تشكيل المشهد السياسي الداخلي.

أما في واشنطن، حيث تتجه الأنظار نحو مصير الصراع المحتدم بين ترامب والدولة العميقة، فإن أي معركة في الخارج – ولو من بوابة العراق ولبنان – سيمنح الإدارة الأميركية الحالية فرصة لتأجيل الحرب الداخلية الحتمية.

• قدرات المحور وتحدياته

رغم تعقيدات المشهد، يظل محور المقاومة يحتفظ بعناصر ردع فعّالة:

– حزب الله يثبت مع كل جولة أنه قادر على فرض قواعد اشتباك صارمة.

– فصائل غزة حوّلت المواجهة عبر عمليات “حجارة داوود” الأخيرة، إلى معركة استنزاف مرهقة للعدو.

– العراق، رغم التحديات السياسية، لا تزال قوى مقاومة تمتلك أدوات عسكرية وأمنية واستطلاعية فاعلة.

لكن في المقابل، التحديات ليست قليلة لان التنسيق بين الجبهات لا يزال غير مكتمل، كما ان الخروقات التي حدثت في لبنان وإيران قيد الاحتواء، كما ان تكرارها محتمل في باقي الجبهات، إضافة الى ان الضغوط الداخلية المتراكمة بدأت ترهق بيئة المقاومة من الداخل.

•إلى أين تتجه الأمور؟

لا يبدو أن هناك خلافا بين المراقبين على حتمية وقوع الحرب الشاملة، وإنما الخلاف حول موعد اندلاعها، لذا فان السيناريو الأقرب هو “الانفجار المفاجئ”، الذي سيشعل فتيل المواجهة، خاصة إذا تجاوزت إسرائيل خطوطا حمراء في لبنان، أو أقدمت على تنفيذ عمليات واسعة واغتيالات داخل العراق، وفي مثل هذه اللحظة، سيكون الرد الجماعي من محور المقاومة أقرب من أي وقت مضى، وقد تنتقل “وحدة الساحات” من كونها عنوانا استراتيجيا إلى واقع ميداني تتداخل فيه الجبهات وتتشابك فيه النيران.

• اخيرا: بين النار والكرامة

لبنان والعراق لم يعودا مجرد ساحات خلفية في الصراع، بل أصبحا خطّ تماس مباشر في معركة تقودها واشنطن من الخلف وتخوضها تل أبيب بالأصالة، وأمام هذا الواقع، لم تعد وحدة القرار والموقف ترفا سياسيا، بل شرطا وجوديا لحماية الأرض والسيادة والكرامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *