أثناء مرحلة “المراهقة البحثية”، حيث كنت أدرس الماجستير في العلوم الاقتصادية بجامعة بغداد، وبناءً على قراءاتي البسيطة في حينها، ذهبت باتجاه اختيار عنوان يتضمن تسليط الضوء على “المدرسة المركنتلية الجديدة”، وكانت محاولة مني لتقديمها وصفة تنموية للاقتصاد العراقي، وأثناء مرحلة المصادقة على العنوان في مجلس الكلية قدم لي استاذي عميد الكلية في حينها المختص بالفكر الاقتصادي “أ.د عبد الجبار محمود فتاح العبيدي” نصيحة مفادها “أن هذه المدرسة استعمارية اترك الخوض فيها واختر لك عنوانا آخر”، والنتيجة كانت التحول نحو عنوان آخر، لكنني لم أترك طموحي في خوض غمار البحث في أدبيات هذه المدرسة.
لا خلاف على رأي أستاذي حول هذه المدرسة، فهي فعلا مثلت أحد أهم رموز الحقبة الاستعمارية في أوروبا التي انطلقت تقريبا من القرن الخامس عشر حتى القرن السابع عشر الميلادي بدافع جلب الثروة وفتح أسواق رخيصة للحصول على الموارد الأولية، مقابل تصدير السلع المصنعة لتلك الدول الاستعمارية بحثا عن تحقيق فائض في ميزان المدفوعات، على إثر التطور في أدبيات تلك المدرسة، والذي ربط قوة الدولة بالفائض المشار إليه، ومغادرة الفكرة الأولية التي كانت سائدة في بدايات ظهورها المتمثلة بتراكم المعادن النفسية في الدولة، ومن خلاله يتم صناعة الاقتصاد القوي، ليضمحل دورها في ما بعد على إثر تنظيرات آدم سميث، وتنامي دور المدرسة الكلاسيكية الليبرالية التي نقدتها بشدة وانتقلت الأهمية النسبية من البعد التجاري المشار اليه الى البعد الصناعي وظهور الثورة الصناعية في اوربا لتعلن عن عصر الرأسمالية الصناعية.
إحياء الفكر التجاري
وبطبيعة الحال، فإن الأحداث التاريخية الاقتصادية أحيانا لا تموت، كون الفكر الاقتصادي في كثير من الأحيان يتجدد نتيجة لضرورات تفرضها المعادلات القائمة، وهنا السر الكامن خلف كتابات وآراء جديدة نظرت لإحياء الفكر التجاري “الماركنتلي” في أوروبا تحت مسمى “التجاريون الجدد” الذين يؤمنون بأهمية التحالف القوي بين الدولة وقطاع الاعمال الخاص باعتبار الدولة هي من توفر البيئة لحفز القطاع الخاص وتوفير أشكال الدعم المختلفة للوصول الى النمو المستدام عبر انشاء “الاحتكارات التجارية”، ومن ثم تعزيز الصادرات، فكانت الفكرة تنصب على ما يسمى بـ”الاقتصاديات القومية” الرامية إلى تعظيم الازدهار الاقتصادي وتحقيق قوة الدولة- الأمة، وهنا نلمس التماثل بالجوهر بين المركنتلية القديمة والجديدة في ذلك، فالهدف هو ميزان المدفوعات، والفوائض التي تسهم بالتراكم الرأسمالي الداخلي.
دور الدولة في الاقتصاد والجدل الفكري الكبير حوله بين من ينقده ويؤيده، وهنا لا بد من تسليط الضوء على (المدرسة الكينزية) التي أنقذت أوروبا من الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن المنصرم على إثر التراجع في الفكر الكلاسيكي وعجزه عن المعالجة عبر أدواته الديناميكية التلقائية في معالجة الأزمة، لنشخص نقطة فرق جوهرية بين الكينزية والمركنتلية، فكلاهما مع دور الدولة في الاقتصاد، لكن الأولى ربطته بالازمة والمعالجة المفترض وجودها من قبل السلطة الاقتصادية لتصحيح المسار والثانية التي تدعو لدور مستدام ليدفع عجلة النمو الاقتصادي إلى الأمام.
إدارة ترامب الجديدة انتهجت طريق أدبيات المدرسة المركنتلية الجديدة عبر أوامرها التنفيذية في المجال الاقتصادي، محور (التعرفات الكمركية) التي فرضت على الشركاء التجاريين، حوافز الاستثمارات الداخلية، الدمج بين الصفقات السياسية والاقتصادية كتلك التي ابرمت مع الجانب السعودي، أو تلك التي فرضت على أوكرانيا في مجال المعادن المهمة وغيرها، تسريح الموظفين في بعض مؤسسات الحكومة الامريكية، إيقاف تمويل منظمة (التنمية الدولية)، الانسحاب من (اتفاقية المناخ) لتحرير الاستثمارات، التوجه نحو استثمار الغاز والنفط، والتوجه نحو العملات (المشفرة) وغيرها من الأوامر التنفيذية التي تقدم ملخصا عن دور حكومي اقتصادي يهدف الى تعزيز النمو الاقتصادي المستدام.
ترامب واقتصاد الصفقات
أظهرت تلك السياسات الإدارة الأمريكية وعلى رأسها ترامب، وكأنه رجل أعمال يتعامل بـ”عقلية الصفقات”، ومن ثم ظهر الفعل السياسي والاقتصادي وحدة واحدة في أداء هذه الإدارة.
يمكن لنا تحليل مجمل تلك السياسات في اتجاهين: الأول يتمثل بأسلوب الإدارة الأمريكية التدخلي في الاقتصاد المتمثل بالتأثير على مسارات الاستثمار في النشاط الاقتصادي، ومن ثم تعظيم الناتج القومي الأمريكي عبر الاستثمارات الخارجية والمتغير الآخر المتمثل بالناتج المحلي الإجمالي عبر الاستثمارات الداخلية، وهذه السياسات مثلتها صفقة الاستثمارات في أوكرانيا واتفاقية السعودية والإمارات والصراع مع الدنمارك حول جزيرة “غرينلاد” وغيرها، كذلك السياسات الضريبية وقضية العملات المشفرة ويضاف لها سياسات خفض العجز في الموازنة الأمريكية عبر تسريح الموظفين وإيقاف برامج الدعم الخارجية لفسح المجال للإدارة من ان تمارس دورها باريحية بعيدا عن الضغوط المالية.
أما الاتجاه الثاني، فتمثل بقضية “التعرفات الكمركية”، وهي قيود تجارية تنافي تحرير التجارة التي نادت بها المدرسة “الليبرالية” في الاقتصاد حيث تقود تلك السياسية الحمائية إلى رفع أسعار السلع المستوردة، ومن ثم خفض الطلب عليها داخليا وحفز الاستثمارات الداخلية لإحلال السلع المنتجة محليا، بدل تلك المستوردة كما تعمل على خفض العملة الخارجة من الداخل الى الخارج ومن ثم خفض عجز ميزان المدفوعات الأمريكي عبر التأثير على الحساب التجاري فيه.
إن التأصيل النظري لتلك السياسات يقودنا الى ان ترامب يعمل في ظل أدبيات المدرسة الماركنتيلية، وما يسعف الإدارة الأمريكية في ذلك قدراتها السياسية والاقتصادية الكبيرة التي تمكنها من فرض أجنداتها بشكل واسع على العالم في ظل القطبية الدولية التي تتمتع بها.
إن التحول في الفكر الاقتصادي العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من الليبرالية الى المركنتلية يستدعي من دول العالم بالخصوص دول الأطراف التي تصبو لتحقيق التنمية الى مراجعة أدبياتها والتعامل بواقعية مع المعطيات الجديدة، فلا بد من حماية أسواقها والكف عن سياسات الانفتاح غير المبررة، في ظل اختلال موازين القوى، فالتنمية تحتاج سياسات تدخلية وفرض قيود على التجارة الدولية لمنع تسرب العملة الأجنبية الى الخارج وإيجاد مسببات التراكم الرأسمالي الداخلي للشروع نحو مشروع الإنتاج الواسع لمعالجة الأمراض المزمنة من بطالة وفقر وتخلف تكنولوجي وغيرها.


