تحكّم البنك الفيدرالي الأميركي في إقتصاد العراق

تحكّم البنك الفيدرالي الأميركي في إقتصاد العراق
يُبرز المقال كيف تُحكم الولايات المتحدة قبضتها على الاقتصاد العراقي عبر البنك الفيدرالي الأمريكي، من خلال التحكم بتحويلات الدولار وفرض قيود مصرفية، ما أدّى إلى ارتفاع الأسعار والتضخم، وسط دعوات عراقية لإصلاحات تقلّل هذا الارتهان...

يعتمد العراق على منتوج النفط بكل إقتصاده تقريباً حيث يعد موازناته على سعر برميل النفط العالمي، وفي عام 2003 هيمنت الولايات المتحدة الأمريكية على واردات تصدير النفط العراقي بحجة الوصاية بعد احتلاله بسقوط نظام صدام آنذاك.

وبعد هذه السنين الطويلة لم تستطيع ولا حكومة عراقية تشكلت في بغداد بالخروج من هذه السيطرة وإعادة الإعتبار العراقي وإستقلاله من سطوة الفدرالي الأمريكي والتحكم بالواردات النفطية. وذلك لعدة أسباب منها حفاظ الحكومات العراقية المتعاقبة على مناصبهم والإستفادة الشخصية والخنوع للأمريكان وعدم الخوض بالموضوع مع واشنطن وفتح التفاهم معهم وإنهاء هذه الهيمنة.

الهيمنة على تحويلات النفط والاحتياطات

تحتفظ وزارة المالية العراقية بمعظم احتياطيات العراق بالدولار في البنك الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك، ويُحوّل البنك المركزي العراقي هذه الدولارات عبر النظام الذي يُسيطر عليه الفيدرالي الأمريكي، ما يمنح الولايات المتحدة مؤَثِّراً مباشراً على تدفق العملة الصعبة إلى العراق. لذلك وضع الفدرالي الأمريكي تقييدات على التحويلات بالدولار الى العراق فمنذ نوفمبر 2022، بدأ الفيدرالي تقييد إمدادات الدولار للعراق، بالتعاون مع وزارة الخزانة الأميركية، بهدف الحد من عمليات التهريب وغسيل الأموال والتحويلات غير المشروعة (خاصة لإيران)  .

وأشارت التقارير إلى رفض ما يقرب من 80٪ من طلبات التحويل بالدولار، ما أدى إلى تفاقم شح العملة وارتفاع سعر الصرف، حيث وصل إلى 1770 دينار للدولار الواحد .

وإستجابة لهذه الضغوط، أنشأ البنك المركزي العراقي منصة إلكترونية لتوزيع الدولار عبر المزادات، وتعاون مع نظام SWIFT لرفع الشفافية وتقليل السوق السوداء، ومنع أكثر من 20 بنكاً من إجراء علاجات بالدولار إستجابة لمخاوف الإمتثال للأحكام الأميركية  .

وقد تأثر ذلك على سعر صرف الدولار في العراق ما أدى الى إنخفاض المعروض الرسمي للدولار في السوق المحلية بذلك إرتفع سعر صرف العملة مقابل الدينار، حيث وصل سعر السوق السوداء إلى ما بين 1,650 – 1,770 دينار/دولار، مقارنة بالسعر الرسمي البنكي بين 1,320 – 1,460 دينار .

كل هذه الأسباب جاءت نتيجة إعتماد العراق المكثف على الواردات النفطية. وضعف التنويع الاقتصادي والصناعات المحلية والإكتفاء الذاتي. إنعكس ذلك على التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية وإندلاع إحتجاجات شعبية ضد الحكومة العراقية مطالبين بضبط الاقتصاد بكل تفاصيله من نفط ومعادن والمنافذ الحدودية والسياحة الدينية وغيرها.

ومن مساوئ الهيمنة الأمريكية على البنك المركزي العراقي هو التهديد الأمريكي الأخير بفرض عقوبات مالية على أشخاص ومؤسسات عراقية في حال تقصير بغداد في ضبط الهجمات على البُنى التحتية النفطية، أو دعم كيانات تتعاون مع إيران أو تقويض الإستقرار العراقي  .

بتنشيط سلطات العقوبات الخاصة بالعراق

وفي مايو 2025، وجّه البيت الأبيض بتنشيط سلطات العقوبات الخاصة بالعراق، مشيراً إلى أن استمرار الفوضى والفساد والخروقات الأمنية تشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي وإستهداف مصالح إعادة الإعمار الإقتصادية في العراق.

حيث تم فرض حظر على خمسة بنوك محلية عراقية من التعامل بالدولار الأمريكي بناءً على اجتماعات مع مسؤولي وزارة الخزانة والفيدرالي الأميركيين.

ويُعتبر هذا جزءاً من سياسة ضغط مالي تهدف إلى قطع تدفقات الدعم المالي لإيران عبر النظام المصرفي العراقي  .

وقد صنفت وزارة الخزانة الأميركية بنوكاً عراقية كقنوات غسيل أموال تم دعمها من قبل الحرس الثوري الإيراني وتحالفاته، واتخذت إجراءات لمنعها من الوصول إلى النظام المالي الأميركي  .

وكذلك ضغطت واشنطن على الحكومة العراقية وفقاً لمصدر في رويترز، ضغوط أميركية جعلت بغداد تقرر استئناف تصدير نفط الإقليم الكردي عبر تركيا وتحت رقابة دولية، وإلا كانت العقوبات موجهة بشكل مباشر نحو بغداد نفسها  .

من كل ذلك نؤكد إن الولايات المتحدة، عبر البنك الفيدرالي New York ووزارة الخزانة الأميركية، تُمارس ضغوطًا مالية مباشرة على العراق من خلال التحكم في إمدادات الدولار، ومراقبة وتحجيم البنوك المحلية، وفرض شروط للتحويل والتصدير.

وهذه الإجراءات أدّت إلى ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء، وتفاقم التضخم الإقتصادي والسياسي والاجتماعي، وخلقت حالة من عدم الثقة في الاقتصاد المحلي.

وأمام العراق فرصة لتخفيف الأثر عبر إصلاح النظام المالي، ومكافحة التهرب والفساد، وتنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على النفط والدولار، وتبني أسواق عملة وتعزيز التعاون مع العالم الخارجي بشفافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *