استفتاء الملايين في رحيل القائد: الحشود التي أذهلت ترامب وكذّبت رهاناته

التشييع المليوني والحشود التي أذهلت ترامب في طهران
يناقش المقال دلالات التشييع المليوني في إيران، وسقوط رهانات ترامب، وتحول الحشود إلى استفتاء سياسي ومعادلة ردع جديدة...

التشييع المليوني واستفتاء الشارع الإيراني

شهدت العاصمة الإيرانية طهران والمحافظات الكبرى مشهداً تاريخياً استثنائياً خلال التشييع المليوني لمرشد الثورة الإسلامية، آية الله العظمى السيد علي الخامنئي.

ولم يمثل هذا الحدث مجرد طقس جنائزي عابر.

بل تحول إلى «استفتاء جماهيري علني» أعاد ترتيب الأوراق السياسية في المنطقة، ووجه رسالة بالغة الدلالة إلى العواصم الغربية، وفي مقدمتها واشنطن.

رهانات واشنطن على الداخل الإيراني

بنت الاستراتيجيات الأمريكية تجاه طهران، طوال سنوات، حساباتها على فرضية رئيسية تزعم وجود فجوة عميقة لا يمكن ردمها بين القيادة الإيرانية والشعب.

كما اعتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته أن العقوبات الاقتصادية القصوى وضغوط الحصار نجحت في فك الارتباط الروحي والسياسي بين الجماهير والنظام الإسلامي.

وظن ترامب، اعتماداً على تقارير مستشاريه والتقارير الاستخباراتية، أن الشارع الإيراني ينتظر لحظة التغيير بفارغ الصبر، ويكن العداء لقيادته.

لكن مشاهد التشييع قدمت صورة مختلفة تماماً عن هذه التقديرات.

الحشود التي أذهلت ترامب

تدفق طوفان بشري إلى الشوارع، وضم مختلف الأطياف والأجيال، وحتى المعارضين.

ولذلك، صدم المشهد دوائر القرار في واشنطن.

كما وقفت الإدارة الأمريكية مذهولة أمام الصور الجوية التي لم تستطع وسائل الإعلام العالمية إنكارها.

فقد تدفق ملايين الإيرانيين بكثافة بشرية غير مسبوقة، وأعلنوا في لحظة الفراق تجديد البيعة والولاء لنهج الخامنئي.

وبذلك، أثبت المشهد، وفق رؤية المقال، أن القراءة الأمريكية للداخل الإيراني قامت على أوهام تفتقر إلى فهم سوسيولوجي وعقائدي حقيقي لطبيعة المجتمع الإيراني.

التشييع المليوني بوصفه موقفاً سياسياً

تعبر الشعوب في النظم السياسية التقليدية عن خياراتها من خلال صناديق الاقتراع.

أما في لحظات التحول التاريخية في المقاومة والشرق الأوسط، فيصبح الشارع هو الصندوق الحقيقي.

ومن هنا، لم يكن التشييع المليوني مجرد تعبير عن الحزن.

بل شكل سلوكاً سياسياً واعياً ومقصوداً من ملايين الإيرانيين.

كما أرادت الحشود إرسال برقيات عاجلة ومشفرة إلى الخارج.

وكان مضمون تلك الرسائل أن الخلافات السياسية والمصاعب الاقتصادية الداخلية تذوب عندما يتعلق الأمر بالسيادة الوطنية ورمزية مقام القيادة.

سقوط رهان الفوضى والانهيار

أسقطت الحشود الرهان على انهيار الداخل الإيراني واندلاع فوضى عارمة.

كما كذب المشهد كل التوقعات التي روجت لها وسائل إعلام غربية بشأن احتمال انهيار المنظومة السياسية أو حدوث فراغ في السلطة بمجرد غياب المرشد.

ولذلك، تحول التشييع إلى دليل سياسي واجتماعي على استمرار قدرة النظام على تعبئة قطاعات واسعة من المجتمع.

كذلك، أظهر المشهد أن غياب القائد لم يؤد إلى انقطاع الصلة بين الجماهير والرمزية التي مثلها.

التوقيت السياسي للتشييع

تكتسب هذه الحشود أهمية إضافية بسبب توقيتها.

إذ تزامنت مراسم التشييع مع محاولات أمريكية مستمرة لإعادة فرض شروط سياسية جديدة على طهران.

وفي هذا السياق، شكل الاندهاش الذي أصاب ترامب، وفق المقال، اعترافاً ضمنياً بفشل مستشاريه ومراكز أبحاثه في تقدير الوزن الكبير للمرشد الراحل في قلوب محبيه.

كما كشف الحدث عجز المقاربات السياسية التقليدية عن فهم طبيعة الارتباط العقائدي بين القائد وقطاعات واسعة من الشعب.

الخامنئي رمزاً عقائدياً وقومياً

أثبت الإيرانيون خلال التشييع أن الخامنئي لم يكن حاكماً سياسياً بالمعنى التقليدي.

بل كان رمزاً عقائدياً وقومياً، ومصدراً لكرامة الدولة واستقلالها في مواجهة الهيمنة الغربية.

ومن ثم، لم ترتبط مكانته بالمنصب الرسمي وحده.

بل استندت أيضاً إلى عمق روحي وعقائدي عجزت الحسابات المادية والبراغماتية لترامب عن استيعابه أو تفسيره.

ولهذا، ظهرت الحشود بوصفها تعبيراً عن علاقة تتجاوز السياسة اليومية والخلافات الداخلية.

التشييع المليوني ومعادلة الردع الجديدة

وضعت الحشود التي أذهلت ترامب حداً لزمن المراهنات الافتراضية.

لذلك، يرى المقال أن على واشنطن أن تدرك أنها لا تواجه نظاماً معزولاً.

بل تواجه شعباً أثبت، في السراء والضراء وفي أصعب الظروف، أنه يشكل الحاضنة الكبرى والدرع الأساسي لبلاده.

لقد رحل القائد، لكنه ترك خلفه مشهداً جماهيرياً فرض معادلة ردع سياسي جديدة.

كما كتبت أقدام الملايين تفاصيل هذه المعادلة في شوارع طهران.

استفتاء الملايين بعد رحيل القائد

لم يقتصر المشهد على توديع قائد رحل.

بل تحول إلى إعلان جماهيري عن استمرار النهج، وتأكيد على أن الحضور الشعبي ما زال عاملاً أساسياً في معادلة القوة الإيرانية.

كما حمل التشييع رسالة إلى الخارج مفادها أن الضغوط الاقتصادية والسياسية لم تنجح في إلغاء رمزية القيادة.

وبذلك، أصبح استفتاء الملايين في رحيل القائد حدثاً سياسياً بقدر ما كان مناسبة للحزن والوداع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *