كركوك – بانياس حكاية أنبوب عمره سبعون عامًا
في ربيع عام 1952، كان العراق وسوريا على موعد مع مشروع نفطي ضخم سيغير خريطة صادرات النفط في المنطقة: خط كركوك – بانياس. يمتد الأنبوب على مسافة تقارب 890 كيلومترًا، رابطًا حقول كركوك الغنية بالذهب الأسود بميناء بانياس على البحر المتوسط. حينها، كان الحلم كبيرًا: تصدير النفط العراقي إلى أوروبا عبر البحر المتوسط بطاقة تصميمية تصل إلى 300 ألف برميل يوميًا.
لكن، كما يحدث في أغلب المشاريع العابرة للحدود في الشرق الأوسط، لم تكتمل القصة كما كُتب لها على الورق. على مدار عقود، ظل الخط ضحية للتوترات السياسية والحروب المتلاحقة، حتى توقف بالكامل في ثمانينيات القرن الماضي، بعد أن أنهكته الإغلاقات والتخريب والظروف الإقليمية. ومنذ ذلك الحين، بقي صامتًا في الصحراء، كأثر من زمن آخر.
اليوم، بعد أكثر من 40 عامًا على توقفه، عاد اسم الخط إلى العناوين، مع وصول وزير الطاقة السوري محمد البشير إلى بغداد، متحدثًا عن إعادة تأهيل خط كركوك – بانياس وإنشاء مصفاة جديدة في سوريا، بهدف جعلها دولة مصدرة للمشتقات النفطية.
لكن حين نترك التصريحات جانبًا ونفتح ملف الأرقام والحقائق، تبدأ الأسئلة الصعبة بالظهور: هل يمكن فعلاً إعادة الحياة إلى أنبوب بُني قبل سبعين عامًا وتوقف منذ أربعة عقود؟ وما الفائدة الاقتصادية للعراق من ذلك، في ظل وجود منافذ تصديرية أكثر أمانًا وأقل كلفة؟
الخط لم يعد مجرد أنبوب قديم، بل أصبح هيكلًا صدئًا في قلب جغرافيا مضطربة. منذ 1980، تعرض للتآكل بفعل الزمن والعوامل البيئية، وتلفت محطات الضخ، وغابت أنظمة التحكم التي كانت تديره. أجزاء واسعة من مساره تحتاج إلى استبدال كامل، ما يعني أن الحديث عن إعادة تأهيل هو في الحقيقة بناء خط جديد تقريبًا.
على الورق، قد تبدو الكلفة معقولة إذا اكتفينا بالصيانة الجزئية: بين 300 و600 مليون دولار. لكن الدراسات الفنية الأكثر واقعية تشير إلى رقم مختلف تمامًا: أكثر من 8 مليارات دولار، إذا أخذنا في الحسبان استبدال الأنابيب، بناء محطات ضخ جديدة، إضافة منظومات تحكم حديثة، وتأمين الحماية الأمنية على طول المسار.
مشروع خط كركوك – بانياس
من وجهة نظر اقتصادية بحتة، لا يقدم المشروع مغريات كبرى للعراق:
– النقل عبر الخط إلى المتوسط قد يكلف نحو 6 دولارات للبرميل، مقارنة بـ 0.6 دولار فقط عبر الموانئ الجنوبية في البصرة.
– الطاقة التصديرية الحالية من الخليج كافية لتلبية احتياجات السوق.
– المخاطر السياسية والأمنية المرتبطة بسوريا تعني أن أي توقف مفاجئ قد يبدد استثمارًا بمليارات الدولارات.
حتى إذا تم تجاوز العقبات الفنية، تبقى السياسة حاضرة بكل ثقلها:
– سوريا ما زالت تحت عقوبات دولية، ما يجعل أي تعاون اقتصادي معها محفوفًا بالرقابة والتعقيدات.
– الخط يمر عبر مناطق نزاع وتوتر، مما يفرض تكاليف حماية ضخمة.
– غياب الشفافية في تفاصيل المشروع قد يفتح باب الشبهات.
خط كركوك – بانياس هو جزء من ذاكرة النفط العراقية، لكنه اليوم أقرب إلى أثر تاريخي منه إلى مشروع اقتصادي مجدٍ. إعادة تشغيله ليست مجرد قرار فني، بل مغامرة مالية وسياسية قد لا يجني العراق منها سوى القليل، بينما يدفع الكثير.
ربما آن الأوان أن نتعامل مع هذا الخط كدرس من الماضي، لا كرهان على المستقبل.


