موقف ترامب من نظام الأمم المتحدة: رؤية نقدية وتوقعات مستقبلية

موقف ترامب من نظام الأمم المتحدة: رؤية نقدية وتوقعات مستقبلية
يعكس نهج ترامب تجاه الأمم المتحدة سياسة أحادية تركز على مصالح أمريكا، عبر الانسحاب من منظمات دولية وتقليص التمويل، مما يهدد بتقويض التعاون العالمي، ويمنح الصين وروسيا فرصة لتعزيز نفوذهما، ويؤثر سلباً على قضايا عربية....

يعكس موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الأمم المتحدة رؤيته المتشككة تجاه التعددية الدولية، وهو توجه كان واضحاً خلال ولايته الأولى، حيث اتسمت سياسات إدارته بالتركيز على تحقيق أقصى قدر من الفوائد للولايات المتحدة، حتى لو كان ذلك على حساب التعاون الدولي والعلاقات مع الحلفاء، بالإضافة إلى ذلك، كانت قراراته غير متوقعة إلى حد كبير، حيث تأثرت برؤيته الشخصية أكثر من توصيات مستشاريه.

واتبعت إدارة ترامب مع المنظمات الدولية نهجاً قائماً على الضغوطات المالية، حيث تم ربط التمويل الأمريكي بتحقيق مكاسب مباشرة للولايات المتحدة؛ وكان من أبرز مظاهر هذا النهج اقتراح قدم عام 2017 يهدف الى تقليص مساهمة الولايات المتحدة في ميزانيات المنظمات الدولية بنسبة 44%، وهو اقتراح تم إيقافه من قبل الكونغرس الأمريكي. وفي الوقت ذاته، انتقد ترامب ضعف كفاءة الأمم المتحدة، على الرغم من مشاركته السنوية في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتباينت مواقف إدارته اتجاه المنظمات الدولية المتخصصة في نظام الأمم المتحدة، حيث أبدت تعاوناً إيجابياً مع الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) والوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، لكنها في المقابل وجهت انتقادات حادة لبعض المنظمات الأخرى، مثل منظمة الصحة العالمية (WHO) بسبب دورها في جائحة كورونا وتأثير الصين عليها، واليونسكو (UNESCO) ووكالة الأونروا (UNRWA)، بسبب ما اعتبرته إدارة ترامب تحيزاً ضد إسرائيل.

وأدت سياسة ترامب تجاه نظام الأمم المتحدة إلى اتخاذ عدة قرارات جوهرية، منها:

  • وقف تمويل الأونروا، بحجة تحيزها ضد إسرائيل.
  • الانسحاب من منظمة الصحة العالمية بحجة عدم تنفيذها للإصلاحات المطلوبة.
  • فرض تغييرات على الاتحاد البريدي العالمي بعد تهديد بالانسحاب منه.

لكن هذه السياسات لم تكن دائمة، حيث قام الرئيس جو بايدن بإلغاء العديد من قرارات ترامب، مثل:

  • إعادة تمويل الأونروا عام 2021.
  • إلغاء قرار الانسحاب من منظمة الصحة العالمية.
  • عودة الولايات المتحدة إلى اليونسكو عام 2023.

وفي حملته الانتخابية لعام 2024، عزز ترامب وحلفاؤه، خاصة من خلال مبادرة 2025 خطابهم حول التعامل مع الأمم المتحدة بمنظور براغماتي قائم على المصالح الأمريكية فقط. ومن المقترحات الرئيسية لهذه المبادرة:

  • مراجعة التكلفة والفائدة من الانضمام إلى المنظمات الدولية.
  • الانسحاب من المنظمات التي لا تخدم المصالح الأمريكية، مثل منظمة الصحة العالمية.
  • تعزيز النفوذ الأمريكي في الأمم المتحدة من خلال تعيين دبلوماسيين مقربين من ترامب.

السياسة المستقبلية لترامب

وجاء اختيار إليز ستيفانيك كمندوبة دائمة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة كمؤشر على السياسة المستقبلية لترامب، ومن المتوقع أن تركز في سياستهاعلى:

  • دعم إسرائيل داخل الأمم المتحدة.
  • مواجهة النفوذ الصيني داخل المنظمة.
  • تقليل الالتزامات الأمريكية تجاه القضايا البيئية والهجرة.
  • تمويل المنظمات الدولية وفقاً لمعايير الولاء للمصالح الأمريكية.

ومنذ الولاية الثانية لترامب وفي الأيام الأولى من ولايته الجديدة، نفذ بالفعل بعض الإجراءات المتوقعة، منها:

  1. إعلان الانسحاب من منظمة الصحة العالمية مجدداً، مما قد يؤدي إلى تعطيل جهود مكافحة الأوبئة.
  2. إعادة الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ، مما يعكس معارضته للتعاون الدولي في القضايا البيئية.
  3. الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، استمراراً لسياسة دعمه لإسرائيل.
  4. إجراء مراجعة شاملة لجميع الالتزامات المالية الأمريكية تجاه المنظمات الدولية.

زيادة التوترات بين الولايات المتحدة والصين وروسيا

ومن المتوقع أن تؤدي سياسات ترامب إلى زيادة التوترات داخل مجلس الأمن الدولي، خاصة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، كما قد تعرقل:

  • تجديد بعثات حفظ السلام.
  • انتخاب الأمين العام الجديد للأمم المتحدة في 2026.
  • مستقبل بعثة الأمم المتحدة في لبنان (UNIFIL).

وتعكس سياسة ترامب تجاه الأمم المتحدة رؤية أمريكا أولاً من جهة، لكنها من جهة أخرى قد تؤدي إلى إضعاف نفوذ واشنطن عالمياً. وفي الوقت نفسه، يمكن أن تمنح هذه السياسات الصين وروسيا فرصة لملء الفراغ الذي ستتركه الولايات المتحدة داخل المنظمة الدولية. وبالنسبة للعالم العربي، فإن هذه التطورات قد تتطلب مزيداً من المساهمة في تمويل بعض المنظمات الدولية مثل الأونروا لتعويض نقص الدعم الأمريكي، كما يمكن أن تعرقل جهود تحقيق السلام في بعض المناطق التي تعتمد على دعم الأمم المتحدة، مثل فلسطين ولبنان وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *