الانقسامية في العراق : بنيوية وليست سياسية عابرة !

الانقسامية في العراق : بنيوية وليست سياسية عابرة !
يشير النص إلى الانقسامات العميقة في المجتمع العراقي الناتجة عن التاريخ والسياسة والصراعات الفكرية، مما أدى إلى تعصبات قوية وصراعات هوياتية، ويؤكد الحاجة إلى إصلاح فكري وإعلامي لتحقيق وحدة وطنية حقيقية في المستقبل....

أولا : ما معنى الانقسامات الحادة التي انتجت تعصبات قوية جدا في المجتمع العراقي ؟

بالرغم من تنوّع العراقيين وتعدّدهم وتعايشهم الا انهم ينقسمون في الرؤية والتفكير وأساليب الحياة انقسامات عّصية خفية ومعلنة .ويشير الانقسام الجمعي في العراق إلى حالة من الانشطار العميق في الوعي الجماعي، بحيث لا يعود المجتمع مجرّد فسيفساء من التنوع والتعدّد، بل يتحوّل إلى حالات متناحرة فكريًا وهوياتيًا، كلّ حالة منها تعيش في عالمها الخاص، وهي معاندة لا تتنازل عن غلوها ، وهي تبني سرديتها الخاصة باستنادها الى التاريخ، والدين، والجهوّية والثنائيات المزمنة فتنتج تباينات جذرية ومحاور عدّة تعادي احداها الأخرى ، وفي أكثر المرات لا يحّس المرء بذلك لأنّ ما يعلن هو غير ما يبطن، وكلّ ما يتقدم الزمن تزداد انشطاراً وانقساماً , وعليه ، تزداد الافتراقات ، وتكثر الخيانات والأكاذيب، وتتغّول  المشكلات  ويتفاقم البطش والكراهية مع فقدان الثقة.

انّ المعبّر عن “الانقسام الجمعي” ليس الكلمات المعسولة والمجاملات الرخيصة ، بل هو التشّظي في البنية النفسية والاجتماعية للمجتمع ككل، وليس مجرّد خلافات سياسية أو طائفية سطحية او تباينات مخبوءة .. واذا كانت مخفية او معتّما عليها سابقا  ، فهي اليوم مكشوفة وعارية  يترجمها صراع الهويّات  ومفاخرة كل جزء  على حساب الجزء الآخر..  وهو انقسام واحد  يزدحم بالتناقضات ، ويعمل كلّ واحد ضدّ الآخر ، بل ويصّر كلّ طرف  اصراراً  قوياً وعميقاً  على يكون هو وحده في الميدان دون الآخر الممانع له.. كل ما  سمعناه وقرأناه  منذ طفولتنا حتى كهولتنا هو  خارج عن نطاق المصداقية والامانة والمروءة ، وهو النطاق الذي لا نجده الّا عند  الطيبين والسذج من الناس  الذين لا يدركون  حجومهم  ويعتبرون من يقابلهم  هو مثلهم  طيب الأخلاق..

ثانياً : ولكن  كيف  نبرهن  على  ذلك ؟

هل يلتقي كلّ العراقيين على رؤية واحدة لتاريخهم؟ فالخلافات والغلو فيها حول التاريخ نفسه ورموزه تثبتها النظرة إلى العصرين الأموي والعباسي، وإلى السلاجقة والدولة العثمانية، وحتى إلى الملكية والعهود الجمهورية العسكرية والحزبية.. فهي وجهات نظر حادة تختلف بشدة بين الفرقاء ، ما يجعل كتابة “تاريخ وطني جامع” أمرًا شديد التعقيد. وفي العراق ، نجد أخطر ما حدث فيه  هو تغلغل السياسة والمؤدلجات بقوة الى المدارس والجامعات وثكنات الجيش منذ الثلاثينيات من القرن العشرين، بحيث يندفع الشباب والاطفال والمراهقين الى الشوارع في مظاهرات صاخبة من دون ان يعلموا  حقيقة الواقع . ويندفع الضباط عاطفياً  جراء أحداث وخطابات وتحريض جرائد  او تعليقات يسمعونها عبر الراديو ، وكلّ ضابط منهم يحلم  بتزّعم انقلاب  ليتسلّم السلطة ! ولقد أضّرت الأحزاب العراقية وخصوصاً الراديكالية والقومية والاسلامية بالعراق وتاريخه وحاضره ومستقبله ، لأنّ أغلب من ترّبع في السلطة من الحزبيين كانوا غير مؤهّلين لادارة العراق وتقدّمه .

ثالثاً : تعدّد الرؤى الفكرية

من المستحيل ان يتقبّل المجتمع سردية واحدة لما جرى في التاريخ الاسلامي بطولهِ وعرضهِ. واعتقد ان هذه  التناقض هو الأهم في  مفارقة المجتمع وثنائية الرؤية وانقسامه ، خصوصاً وانّ  ذلك كان معمّراً لأكثر من الف سنة . وهذه أول ثغرة في الهوية الوطنية كالتي تمتلكها معظم الشعوب . وقد كانت خافتة  لانتفاء التمايز  بين الجماعات ، ولكن ما أن تبلورت  علناً  حتى تحوّل  الانقسام الى صراع  .. ولقد انتقل هذا الانقسام الى  الميادين السياسية ، وأتحدّى من يجد في تاريخ الاحزاب العراقية التاريخية منذ بدء تشكيلها وحتى اليوم عدم وجود انقسامات حادة وانشقاقات ربما تكون سياسية حادة كما حدث في تجارب كالاهالي والوطني الديمقراطي والاستقلال وغيرها وربما تكون ايديولوجية كما حدث في  انشطارات الحزب الشيوعي  والبعثيين  والناصريين والاسلاميين وغدت دموية، فالانشقاقات على السلطة والزعامة والصراعات على المصالح والنفوذ والكلّ يسّوق نفسه بالوطنية والديمقراطية والعدالة  وكلّها  اكذوبات  حقيقية !

رابعاً:  أين هي الهوية الوطنية ؟

اما  الهوية الوطنية ، فمتى وجدناها في العراق ؟ ربما في مرحلة التأسيس ، ولكن الهوية طعنت طعنات بليغة،وفقد المجتمع حرياته وغدا يعيش على مجموعة هوّيات متشظيّة تكيد واحدتها للأخرى وقد أحصيت عدد الخائنين وما اقترفوه من خيانات  باسم الهوية الوطنية ، فالعدد يفوق التصّور . هل نجد الوطنية في حروب داخلية بين الدولة والكرد أو بين الدولة والعشائر أو بين السلطات والمجتمع أو طبقياً بين الأعيان والمنسحقين أو ايديولوجيا بين المستقلين والثوريين الراديكاليين أو بين المكابدين في الدواخل وبين المهاجرين في شتات الأرض أو بين العراقيين والايرانيين  .. الخ من الثنائيات التي مزّقت المجتمع العراقي .

وتضخم “الآخر السلبي”: فكلّ جماعة تبني صورة مشوّهة عن الجماعة الأخرى، وتراها تهديدًا وجوديًا  لها . وهذا أمر موروث عن تاريخ متنازع عليه، فلا يوجد سردية وطنية موحّدة، بل تشاع روايات متضادّة حول أحداث مفصلية تتمحور حول أحداث مصيرية مثل انقلاب او ثورة 1958، أو حكم البعث الذي حكم العراق  35 عاما ولم يزل بكل ارثه منشغل في صراعه مع النظام الجديد مقارنة بتحالف الشيوعيين معه  وافتراق العراقيين افتراقاً كبيراً .

خامساً: تحليل الانقسامات الفكرية في المجتمع العراقي

يكشف المجتمع عن تعقيدات تاريخية وسياسية واجتماعية متشابكة ومتوّرمة معاً ، تشكّلت عبر عقود من الصراعات والتحوّلات الخطيرة . فما هي المحاور التي تفسّر هذه الانقسامات  التي عبرّت عن نفسها في القرن العشرين ، وتفاقمت اليوم بشكلٍ مخيف ؟

طرف يعتقد بأن التأسيس الملكي عام 1921 كان على قاعدة طائفية وقومية منذ نشوء الدولة، ويؤكد اليوم بأن هناك شعور بالتهميش في حين ينفي الطرف الآخر تلك الهيمنة مؤكّدا اشتراك كلّ العراقيين  في بناء مشروع الدولة وتآلف المجتمع وسيادة التعايش بين العراقيين .. وثمة انقسام  حول تقييم ظاهرة الانقلابات العسكرية وقد غدت تاريخية، ولكنها عبّرت عن حالات التشظّي والتعطّش للسلطةعند العراقيين ،وان التغييرات السياسية المتكررة والانقلابات منذ الخمسينيات أدّت إلى خلق تيارات متصارعة فكريًا بين الليبراليين والقوميين واليساريين والإسلاميين ..وكلّها غدت تيارات متشظيّة ومتصارعة وفاقدة للأهلية الوطنية بل وغدا الصراع بين المتقلبيّن من علمانيين الى دينيين او بالعكس وصولاً الى حجم ما فقده العراق من نسوة ورجال عبر العهود الجمهورية في الاعدامات والاغتيالات  وتحت التعذيب  والحروب والحصارات .. والمشكلة عند العراقيين انّ الكل يبكي على الحال الذي وصل اليه العراق من دون ان يكّلف نفسه البحث والتأمل في الأسباب  والعوامل  وان عجز أحالها كلّها الى الاستعمار.

سادساً : كيف ينتج هذا الانقسام تعصبّات قوية؟

يبدأ التحوّل من الاختلاف إلى العداء عندما يغدو الخلاف الفكري أو الطائفي مبررًا للرفض المطلق أو حتى العنف. فيصل الى حالة الاستقطاب الحاد  حيث لا توجد منطقة وسطى، وبغياب التراجع او الاعتذار عن الخطأ ، فإما أن تكون “معنا أو ضدنا”. وهذا ما جرى  في أغلب الانظمة الحاكمة، وقد تفاقم من خلال تقديس ( الفرد الحاكم) والجماعة مقابل شيطنة الآخر، فقد قاد إلى تعصّب أعمى، ورفض أيّ نقد داخلي ، ولم يزل  الأمر يتفاقم  ، ومنه  ازاء 14  تموز 1958 فهو أقرب مثل على انقسام العراقيين انقساماً حاداً  حول حدث انقلابي وثوري مفصلي ولكنه غدا تاريخياً ، فالبعض يراه  فتحاً مبيناً وتحريرًا من الاستعمار ، والبعض الآخر يراه بداية الانحدار بالعراق .. ويتفاقم الجدال بين الطرفين،فهذا لا يقبل أي نقد يوجّه له ويعتبره ركيزة أساسية في التحوّلات نحو الأفضل أما الطرف الثاني فيراه بداية خراب  للعراق ودخوله جحيم التاريخ  كونه حدث قفل مرحلة تاريخية وأسسّ مرحلة أخرى لم يزل كلّ العراقيين يجنون حصاد السنين .وتزداد الانقسامات حول علامات بارزة وملغزة في العراق المعاصر أمثال: نوري السعيد وعبد الكريم قاسم  وصدام حسين . وسيبقى الانقسام  متوارثاً عبر الأجيال.. ما لم تحدث  ثورة فكرية  حقيقية كما حدث في فرنسا بعد مضي قرن على ثورتها، تتغير فيها المفاهيم ،ويتحّول تفكير العراقيين من الشعارات والمطلقات الى امتلاك القدرات والمؤهلات والتفكير في النسبيات وتنتفي التعصبات وروح الكراهية والانتقام من خلال مشروع استراتيجي يبدأ بالتعليم والإعلام وخطاب العقل، مما يجعله جزءًا من الهوية. وستدرك الأجيال القادمة من يتحّمل مسؤولية فجائع العراق ونزيفه وجروحه وانقلاباته العسكرية وخلق اوليغارياته وميليشياته وما فقد من ملايين الضحايا والمهاجرين والمعذبين..أجيال قادمة ستدرك حجم المأساة وحجم العناد والمكابرة والخائنين والمتسلطين التافهين ..

السؤال الأخير : هل ستتغير بنية تفكير العراقيين من الانقسامية الى التوّحد في الرؤية التاريخية وفن السياسة ومنطق النسبية وفهم ركام التاريخ في المستقبل .. أتأمّل حدوث ذلك بتوّحد الهوية الوطنية ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *