العراق والتنوير : سراب في ظل المهزلة

العراق والتنوير : سراب في ظل المهزلة
ينتقد النص الواقع السياسي والاجتماعي العراقي، مسلطًا الضوء على فساد الطبقة الحاكمة، انهيار الخطاب والمعنى، وانعدام الأمل. يؤكد أن الإنقاذ يتطلب تغييرات جذرية ونخبة جديدة لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس حديثة وشفافة....

1/ تداول السلطة لدى طبقة سياسية ثابتة

عدت من سفرة طويلة الى تركيا والعراق، زرت فيها مدينتي الموصل التي وجدت فيها وثبة رائعة من قبل المخلصين الرائعين  بعيداً عن جحود الآخرين وسعيهم وراء عنعناتهم وتردّي تناقضاتهم التي ستقتلهم حقداً وغلاً ، ولكنها للأسف ، مدينة ضائعة اليوم بتدخلات الآخرين فيها، وهي تعجّ بحالات شاذة تعبّر عن تحوّلات خطيرة يهدّد مصيرها .. مدينةٌ عظيمة صمدت ونجحت في اجتياز تحدياتٍ تاريخيةٍ صعبة جداً عانى منها كلّ أهلها معاناة لا توصف ، ولكن بالرغم من ضياع فرصٍ تاريخيةٍ عدّة لها كما هو حال العراق أجمعه، ومع تبلور روح جديدة نحو المستقبل ، الّا أن العراق بطوله وعرضه يعيش إرهاصاً داخلياً يترجم حالة وضع سياسي شاذ ومهترئ  يمثله أناس غير ناضجين ، والعراق مقبل على تجربة انتخابات تشريعية جديدة ، ولكن في مسار فوضوي ليست له نزاهته ، وليس كما يجري في تجارب الأمم الديمقراطية الأخرى أبداً، فهناك حيث يبلغ تطوّر القوى المنتجة فيها المستوى المطلوب لتلبية جميع الإحتياجات الإنسانية “المعقولة” وتوفير حياة كريمة لجميع سكان البلاد الذين يدركون قيمة المرشحين ويدرك أي مرّشح وزنه ومكانته وثقة الاخرين به ، في حين حطّم التفاوت كلّ الأرقام القياسية التاريخية في العراق إذ تتداول السلطة في كلّ دورة طبقة جاهلة فاشلة بالغة الأطماع تفشى فيها الفساد وتجذّرت فيها رؤوس الأموال القذرة ..وقد غدت “الديمقراطية” للأسف الشديد سوق نخاسة يتفاقم فيها البيع والشراء بملايين الدولارات، وانحدرت الأخلاقيات بحيث يخرج كلّ مرشّح  ليتكلم بنفسه كما يشاء والكلّ يدرك أنه يكذب ويخدع نفسه قبل أن يخدع كلّ الآخرين . وقفت عند مشهد مضحك اذ قال أحد الشباب لي : عمي انني قد رشحت كي أكون نائباً وقد دفعت عدة من الدفاتر ( يقصد الاف الدولارات) .. التفت إلى أخيه وهو صبي مراهق يجلس الى جانبه، فسألته ساخراً : ألم ترّشح أنت الآخر ؟ فأجابني بجدّية قائلا :  إن شاء الله على الدورة القادمة حتى أكسب الملايين !

2/معارض مجانية للصور والدعايات المقرفة

انتشرت صورهم في الشوارع والساحات .. وجوه كالحة لا يعرفها أحد تمثل شخصيات هزيلة ، ومدينة يزيد عدد سكانها على خمسة ملايين نسمة خالية خاوية من قيادات فكرية أو قيادات سياسية  فيتمسح البعض فيها بعناصر فاسدة من زعماء احزاب وجماعات من غير ابناء البلد ضمن ما أسموه بـ ” تحالفات” ، وتزدحم صورهم في كلّ مكان ، وهم أبعد ما يكونوا عن روحها ومواريثها وتقاليدها وتاريخها الوطني.. فهذا سمين جداً وشكله يثير الضحك ، وذاك صعلوك قميئ يثير القرف ، وتلك منفوخة الوجه والشفتين مثيرة للاستهزاء ، والأخرى تبدو شيطانة تتنقل على موائد المكونات والعياذ بالله ..وكلّهم أعمدة طبقة فاسدة كانت محدودة جداً، ولكنها تضخّمت على مدى عقدين من السنين بتغوّل جيل جديد تعّلم فنون الرقص الخليع على حلبة السياسة في العراق، وسيطرت بالفعل على معظم مواقع السلطة والمال والجاه والمصالح وغدت لها القدرة على فرض نفسها بإسلوب شمولي توارثته عن عهود سياسية سابقة، وجعلت نفسها تمارس شتى أنواع الموبقات بتأهيل شعبي ، فالشعب منقسم على نفسه بين صنفين من البشر، صنف جشع لا يهمّه الّا المال والمصالح الشخصية،  وصنف لا تهمّه الا لقمة العيش والستر والإنزواء .. شعبٌ نجحوا في تمزيقه طائفياً وعرقياً، ولم يعد يميّز بين  الصحيح والخطأ ، بل  إنه  بدا بشكلٍ مفضوح ، وهو فاقد للوطنية الحقيقية لا المزيفة التي تربّى عليها على مدى عقود طوال من السنين  .

3/ صراع المستويات المتدّنية

ربما يكون الأكثر إثارة للقلق من كلّ هذه الحقائق “الموضوعية” هو مستوى الخطاب الذي يبثّه هؤلاء المتصارعون على كرسي النيابة أو الوزارة أو السفارة أو المناصب العليا . إنّهم  يريدون السباق في ماراثون كسب القوة والمال والسلطة بأيّة وسيلة وكلهّم كاذبون في رفع شعارات مزيّفة  باسم العراق والعراقيين.. إنهم يتصارعون بأقسى الكلمات والتعابير التي تصل الى حدّ الشتائم والسباب والإهانات والاتهامات التي يتبادلونها بعيداً عن الاخلاقيات العالية، ونأيا عن أية فكرة ذات معنى عمّا سيفعلونه في مواجهة التحدّيات الهائلة التي تواجه بلدهم في المستقبل المنظور !

الكلمات والأفكار مهمّة، حتى لو كانت زائفة أو سخيفة كونها دالة على شخصية قائلها . كان كارل ماركس الذي لا أتفق معه يقول إن الأفكار متأخرة عن الوجود، وهذا صحيح تمامًا. لكن العكس صحيح أيضًا. فالأفكار- أو غيابها- مؤشر واضح على إتجاه المجتمع، وما يختار معرفته وما يتجاهله، وما الحقائق التي يحتاجها وما الأوهام التي يفضلها؟ مجتمع خلا من قيادات عقلانية ومن نخب مثقفة ثقافة عليا ، ومن مفكرين تنويريين فاعلين وإن وجدوا ، فهم مهمّشون .. مجتمع غير منسجم ولا موّحد الّا في المجاملات، وبات يتحدّث باسم المكوّنات والعناصر والطوائف والعشائر والعادات البدائية.. شعب ضاعت منه موازينه في بيئاته ومحلياته وطغت العادات السقيمة على  الاساليب النبيلة..  شعب طغت تناقضاته على إنسجاماته وباتت  تزييفاته أكثر من حقائقه،  وتفاقمت الفوضى فيه ويبدو عشوائيا  من حركة سير السيارات في الشوارع  وما يعمّها من  تجاوزات لا أخلاقية .. ويبدو خاويا من الالفة بدليل التحالفات مع الآخرين البعيدين .

4/ نهاية الأمل

إن العراق يعيش في زمن “نهاية الأمل”، وفي عصر أزمة هائلةٍ يخنق فيه التنوير على حساب  هيمنة البدائية ، وترى الإعلام لا يريد الّا مدحا والإعلام المضاد لا يريد الّا قدحاً ، فتضيع الحقيقة وسط هذا الاحتدام.. وتجد القدماء من المؤدلجين السابقين يتغنّون بأمجادهم النضالية وزعمائهم السابقين، فهذا شيوعي، وذاك ناصري ،والاخر بعثي ، وألاخر يغرّد مع جماعات اسلاموية وانتهازية أو يتقافز متلوّناً على متوالية النظم السياسية والمشاهدون من أبناء جيل جديد لا يشترون ما يسمعونه بفلس واحد. أمّا الناصحون والانشائيون الذين يطيلون ويطنبون ويعتقدون أنهم يغيرّون العالم فحدّث ولا حرج لكن إن امتحنتهم ، فستجدهم خواء كونهم يتكلّمون في فراغ وقد تجذرـت عندهم نظرية المؤامرة ، ولا أحد يوقفهم عند حدّهم وهم لا يعلمون ما يجري في العالم لكنهم يلوكون تعابير ومصطلحات ليس الّا  كالتنوير والديمقراطية، والاشتراكية، والعلمانية ، ورأسمالية الرفاهية، وصراع الطبقات، والرسالة الخالدة  وغيرها وليس لهم الفهم المعمّق ولا الإيمان الأعمى بالفوائد الاجتماعية التلقائية للعلم، والتحليل النفسي، والفهم الجمعي والوعي بالزمن  ودور العقل ونسبية الأشياء .. الخ

5/ لماذا تُهدد الأمراض والحمائية مجتمعنا بالفشل الذريع؟

لا يمكن للبشر البقاء على قيد الحياة دون أمل ودون معنى (مشروع). إن تدمير المعنى في الخطاب السياسي العراقي المعاصر، هو علامة جليّة على التحلّل المتسارع للبنية الفكرية الحديثة التي تشدّق بها الآباء والأجداد في القرن العشرين ، بل أعتقد ان العراقيين اليوم يلوكون ما عاشوه قبل جيلين من السنين ( أي : قبل حوالي 60 عاما)  مما يفتح الطريق أمام مسارين إثنين  لدى الأجيال الجديدة ، أما  مسار  بداية نهضة  اجتماعية جديدة لا تتوفر شروطها حتى اليوم ، ولكن إن توفّرت على مدى ثلاثين سنة قادمة فانها ستنقذ العراق، وأما مسار نهاية مجتمع ، بتدمير  بلاد عريقة بالبقاء تحت ظل دكتاتورية الجهل وسلطة الأشباه . مما قد يُنذر بتدمير المعنى وفنائنا إن إستمرت الأوضاع مصابة بالأمراض والحمى والاوبئة السياسية والانقسامات الشنيعة التي تمارسها  الطبقة الحاكمة عن قصد من خلال عدة مشروعات لا تستقيم مع الواقع ولا مع التاريخ أبداً . والطبقة هذه تضم الجميع . ولعل أسوأ من فيها بصراحة تمثله الزعامات السنيّة !

6/ ما العلاج يا ترى ؟

من الطبيعي أن يعود الناس، مدفوعين بغريزتهم بالآفاق المروعة القادمة، إلى هوياتهم القديمة، كالأمة أو الدين، أو يحاولون إيجاد آمال جديدة (على سبيل المثال، اوبئة الحركة الاجتماعية التي تتبلور خلال الحملة الانتخابية). ومع ذلك، يبدو أن قوى “الظلام” تُهيمن على المشهد في الوقت الراهن.  ان العراق بحاجة ماسة الى اناس جدد بعدم السماح للطبقة الحالية البقاء في السلطة اكثر من اربع سنوات سواء في المؤسسة التشريعية او التنفيذية أو العليا .. وجعل النيابة خدمة طوعية ومراقبة اشد الرقابة واصدار قانون جديد ومختلف للاحزاب السياسية .. واصدار نظم مؤسسية ورقابية للتربية والتعليم والزراعة والارواء والصناعة والتجارة  والنفط .. الخ

بالعودة إلى الانتخابات العراقية، ماذا نرى؟ يبدو أن أحد المرشحين يُمثل قمة المثالية او نهاية العقلانية، أو أقصى العاطفة، أو غاية الجشع، أو ربّ الطائفية، أو ذروة الإنتهازية، أو منتهى التقلبّات ، أو عميق التمايزات، أو سلعة مقعد للبيع ، أو تفاهة منصب للشراء ..  الخ  ويندر أن أجد أي نوع من الأخلاق. لكننا نعلم من تجارب الآخرين أن هذه الخصال ، عندما تتعايش فقط، هي التي لا تُميز البشر عن الوحوش الشبيهة بالبشر في مجتمعات تتناسل الأخطاء لتغدو خطايا دون تقويمها وهذا ما يحدث بدرجات في بلدان عربية أخرى مثلاً ولكن ليس بمثل هذه البشاعة ، مقارنة بالوضع في أوروبا، وخاصةً فرنسا، “أم” أوروبا الحديثة، من حيث السياسة والأفكار، ليس أفضل حالاً. بل ربما أسوأ منه في أمريكا، مركز النظام العالمي. ولكن الفارق  انها مجتمعات  تميز بين اسوأ الناس  في إختيار الأفضل وليس العكس . وكما قال عالم الوراثة الفرنسي الكبير ألبرت جاكار، “إنّ العقبة الرئيسية أمام إدراك الواقع تكمن في حدود خيالنا”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *