مثالب الحَركة الطلّابية في العراق المعاصر :إرث العنف السياسي داخل المؤسّسات التربوية والتعليمية ابان القرن العشرين وفضلاته

مثالب الحَركة الطلّابية في العراق المعاصر :إرث العنف السياسي داخل المؤسّسات التربوية والتعليمية ابان القرن العشرين وفضلاته
تكشف تجربة الحركة الطلابية العراقية عن دور مهم في المجتمع، لكنها عانت من التسييس والعنف وفقدان الاستقلال، مما أثر سلبًا على القيم الأكاديمية. هناك أمل بأن تبتعد الأجيال القادمة عن أخطاء الماضي لبناء مستقبل أفضل للعراق....

مقدّمة

شهد العراق خلال القرن العشرين حركة طلابية نشيطة لعبت أدوارًا بارزة في الحياة السياسية والاجتماعية، والكلّ يمجدونها ويكيلون لها المدح والثناء ويتفاخرون بها كونها أسهمت في تشكيل الوعي الوطني والقومي ونقل مطالب المجتمع إلى المجال العام -كما يدّعون- . إلّا أنّ هذه الحركة، رغم سخونتها السياسية وأثرها الدعائي ، عانت من مثالب جوهرية ، وأخطاء بالغة أثّرت على تربية الأجيال وأهانت القيم الاجتماعية، واستخدمت العنف وحدّت من مسار التقدّم والتغيير، كما تحوّلت عدّة مؤسسات تعليمية إلى ساحات صراع وعنف، نتيجة لتداخل النشاط الطلابي مع الانقسامات السياسية الحادة ( وخصوصاً الحزبية ) التي عرفها العراق طوال القرن الماضي. في حين لم يعرف  العالم مثل هذا النمط السياسي أو ذاك الذي  فجع العراق ومجتمعه على حساب النزعة الوطنية الموحدّة كما يجري في كلّ مدارس العالم ومعاهده وجامعاته، اذ كانت أروقتها وصفوفها مخصّصة للتعليم والتربية والمعرفة وبناء السلوكيات الثقافية والحضارية .

أولًا: مثالب الحركة الطلابية في العراق

1.التسييس المفرط وارتهان الطلبة للأحزاب المسماة بالوطنية أو القومية أو الراديكالية والدينية

اعتمدت الحركة الطلابية في معظم مراحل القرن العشرين على ارتباط واضح بالأحزاب السياسية، من( وطنية وشيوعية وقومية وبعثية وإسلامية). وقد أدى هذا الارتباط إلى فقدان استقلالية الاتحادات الطلابية وتحوّلها إلى أدوات تعبئة حزبية، بدل أن تكون كيانات نقابية عادية تمثل مصالح الطلبة. كما أصبح القرار الطلابي انعكاسًا للصراع الحزبي، وليس لاحتياجات الحرم الجامعي. وسّوقت الأحزاب بضاعتها في المدارس والكليات والمعاهد ففجعت الطلبة في ذهنياتهم وأبعدت أجيال كاملة عن التعليم الحقيقي واكتساب المعرفة الجادة .. وقد نجح د. متّى عقراوي عميد دار المعلمين العالي ببغداد ان يوازن بذكاء بين صناعة المبدعين سواء كانوا ليبراليين ام راديكاليين .. في حين كانت كلية بغداد تطرد أيّ طالب يعمل في السياسة والأحزاب !

2.غياب التنظيم المؤسسي

أدى تذبذب الأنظمة السياسية والانقلابات العسكرية والحزبية المتلونة والمتكررة إلى ضعف البنية التنظيمية والمعرفية للحركة الطلابية. وكانت الاتحادات تُحلّ ويعاد تشكيلها وفقًا لمواقف النظام السياسي وأهوائه، ولم تتأسس البتة أيّة تقاليد ديمقراطية داخلية مستقرّة. هذا الضعف البنيوي ترك الحركة عرضة للانقسامات والانشقاقات ، بل وأدخلها في أتون صراعات ومنها دموية  داخلية ووصلت حتى عند الطلبة المبتعثين أو الدارسين في الخارج.  وكم وقعت مصادمات في  بريطانيا وفرنسا واميركا بين الطلبة العراقيين وخصوصا الشيوعيين والبعثيين والناصريين مثلا

3.غلبة الشعارات على العمل المهني

انشغلت الحركة كثيرًا بالشعارات الراديكالية والقومية الناصرية والبعثية أو الدعايات الثورية الواسعة، وغاب عنها في كثير من الأحيان البرنامج المهني والوظيفي واللاصفي الذي يربي الملكات والمواهب والابداعات أو يعالج مشكلات البيئة التعليمية، مثل جودة التعليم، والسكن الطلابي، والمنح، والنشاطات العلمية وبناء التجمعات الفنية والعلمية . فتحوّل النشاط الطلابي إلى حشد سياسي وانقسامي وعلى عهد البعثيين  غدا أداة سلطة ضاربة أكثر منه دفاعًا عن حقوق الطلبة.

4.ضعف تمثيل النساء

على الرغم من دخول المرأة العراقية الكليات منذ منتصف القرن العشرين، إلا أن حضورها في الاتحادات الطلابية بقي هامشيًا، نتيجة الأعراف الاجتماعية وسيطرة التيارات الذكورية على مفاصل القيادة بتأثير الأحزاب السياسية التي هيمنت على المواطنة والقبض على الحرّيات  فظلّ النشاط الطلابي غير معبّر بصورة كافية عن شريحة واسعة من الطالبات مقارنة بما كان في بيئات مجتمعات أخرى .

5.القمع الأمني وتقييد الحرّيات

تعرّضت الحركة الطلابية في محطات عديدة إلى ضغط أمني وقمع سياسي وهيمنة سلطة ورقابة خفية وكتابة تقارير وحتى متابعات مخابراتية، خصوصًا خلال السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، حيث فُرضت رقابة شديدة، وملاحقات وأعتُقل العديد من الطلبة والطالبات، بتهمٍ شتى وتعرّض بعضهم إلى الطرد أو التهديد أو المعتقلات والتعذيب، مما قيّد حرية التعبير والعمل النقابي وزراعة الرعب  وفرار المئات  .

ثانيًا: إرث العنف والصدامات داخل المدارس والجامعات

لم تكن مثالب الحركة الطلابية محصورة في ضعفها التنظيمي أو تسييسها، بل شملت أيضًا تاريخًا ممتدًا من العنف داخل الحرم الجامعي وميادين المدارس نتيجة احتدام الصراع بين القوى السياسية على الساحة الطلابية التي تمنيت أن يتم دراستها تاريخياً بأمانة وموضوعية علمية بدل التسبيح بحمدها ، ويتم الكشف عن أدوارها الخطيرة في زرع الشعارات والأفكار الحزبية التي لا يفهمها  التلاميذ أو الطلبة..

يقول أحد الأصدقاء : اعتقلتني الشرطة وانا صبي أشارك في تظاهرة للشيوعيين في العمارة وحققوا معي : هل انت شيوعي ؟ أجابهم : والله لا أعرف  !.

1.العهد الملكي (1921–1958)

شهدت المدارس الثانوية منذ الثلاثينيات عسكرة للطلبة باسم “الفتوة ” بعد ان كانت الكشافة قد تأسست منذ العشرينيات ..وقتل مونك ميسن قنصل بريطانيا في الموصل عام 1939 بتأثير هياج الطلبة على مصرع غازي ..وشهدت الكليات العراقية في الأربعينيات والخمسينيات مواجهات متكررة بين الطلبة المرتبطين بالأحزاب ( الوطنية والقومية والبعثية والشيوعية ) ، ما أدّى إلى وقوع اعتداءات جسدية وحوادث طعن وضرب واشتباكات جماعية. كما تدّخلت الشرطة بعنف لتفريق الاحتجاجات، ونتج عن ذلك إصابات واعتقالات واسعة، خاصة خلال وثبة 1948 وانتفاضة 1956. والأمر لا يستوجب ذلك كله  باقحام التلاميذ والطلبة سياسياً وهم لا يدركون  !

2.مرحلة الجمهوريات الخاكية بين 1958 – 1968

بعد سقوط النظام الملكي، لم أجد اليوم رجلاً كبير السن في بغداد الّا ويقول خرجنا الى الشوارع  وساهمنا في ( الثورة )، وكان صبياً أو شاباً في مدرسة او كليّة .. وشهد الجميع كيف احتدم الصراع السياسي بين القوى اليسارية والقومية داخل المدارس والكليات، خصوصًا في بغداد والبصرة والموصل. وجرى تسجيل سقوط قتلى وجرحى في اشتباكات مسلّحة محدودة بين الطلبة، وبرزت حالات طرد واعتداءات واضرابات مرتبطة بالانتماء السياسي خصوصاً ما فعلته مليشيات رسمية  كالمقاومة الشعبية او الحرس القومي  ومن بعدهم الجيش الشعبي وكان أغلبهم من الشباب . وهناك حتى من المؤرخين من يتفاخر بالاضرابات الطلابية ضد عبد الكريم قاسم  كما يتفاخر بالانقلابات العسكرية وتلك نتاج دخول السياسة أيضاً  وسط الثكنات العسكرية – وسأعالج ذلك لاحقاً – .

3.الحقبة البعثية (1968–2003)

في هذه المرحلة بلغ العنف مستوى مؤسسيًا أكثر وضوحًا، إذ أصبحت الجامعات خاضعة لهيمنة الحزب الواحد الحاكم. وبدأ تسييس المدارس والجامعات كما تمّ استهداف الطلبة المعارضين بالاعتقال أو الفصل أو الإيذاء الجسدي، وسُجلت حالات إعدام لطلبة بتهم سياسية في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات. وبدل أن تكون الجامعات فضاءات علمية وابداعية  غدت ميادين للصراع الأمني وضياع القيم العليا والدنيا وبيئات مرعبة وسرقة العطل الصيفية في العمل الشعبي بدل العمل المعرفي ، ومنحت صلاحيات للتدّخل في كلّ شؤون الإدارة والتعليم وجلس ممثلون عن الاتحاد الوطني لطلبة العراق أعضاء أقوياء في كلّ مجالس الجامعات والكليات ، ومنحوا الحق في إيقاف قرارات أو اصدار ما يرغب  به .

ثالثاً : ماذا أثمر ذلك التاريخ هذه الأيام ؟

نتيجة لذلك الاختمار  وتراكم الأخطاء  وسيادة العنف  وانتشار الرعب  حتى بين القوى السياسية والحزبية نفسها ، فقد أثمر عن عفن بدا لاحقاً لما بعد 2003  وتنفلت الأمور ، ويشاع القتل والعنف والاحتراب الطائفي هذه المرة وقد غذتّه الأحزاب الإسلامية والنيل من المعارضين واستئصال البعثيين  مع تفاقم المخاطر وضياع ما تبقى من القيم العلمية والتربوية والأكاديمية مع تغيير المناهج  وانعكست  حالات الصراع على المدارس والجامعات  ..

رابعاً : خلاصة عامة والرؤية نحو المستقبل

تكشف تجربة الحركة الطلابية في العراق خلال القرن العشرين عن ازدواجية واضحة: فمن جهة كانت قوة اجتماعية مهمّة أثرت في الحياة السياسية والفكرية، ومن جهة أخرى عانت من مثالب بنيوية وسياسية عميقة أفقدتها استقلاليتها وقدرتها على التأثير المستدام. كما أن تحوّل المدارس والجامعات إلى ساحات للعنف السياسي يعكس حجم الاضطراب الذي عاشه العراق، حيث كان الصراع السياسي ينعكس مباشرة داخل الحرم الجامعي، ليترك أثرًا طويلًا على البيئة التعليمية وعلى النشاط الطلابي ككل وللأسف ،استخدم الكلّ ( الوطنية ) شعاراً له  وعمل ما يريد باسمه .

وأخيراً ، انني أعتقد بأنّ الأجيال القادمة ستكون أفضل بكثير من أجيال القرن العشرين .. ان الوعي  بما حدث وبما يحدث اليوم سيخلق ذهنية جديدة  تؤمن بأنّ العراق  هو للجميع ولا يمكن احتكاره من قبل زعيم واحد، أو فئة واحدة ، أو حزب واحد ، أو عقيدة واحدة  وأن مجتمعه ينبغي أن يتحرك باتجاه المستقبل وعالم المعرفة  بعيداً عن الماضويات الرثة ومواريث الانقسامات والسياسات الغبية والايديولوجيات الماكرة اذ ينبغي أن تبعد المعرفة وبيوتاتها عن خطل السياسات والتحزبات والمؤدلجات والماضويات .. متمنياً ان يكون تاريخنا العراقي المعاصر المخضّب بالدماء  مدرسة حقيقية  لأجيال المستقبل  .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *