أولا: الرصافي ينتقد المجتمع العراقي بقسوة بالغة :
من خلال بحث علمي أنجزته اليوم عن الشاعر العراقي الشهير معروف الرصافي ، وهو من أبرز المثقفين العراقيين في القرن العشرين ، فقد اطلعت وقرأت كلّ ما نشره وما كتبهُ أو قاله خلال حياته المزدحمة بالتناقضات والمنغصّات . وقد وقفت فجأة عند “نص” خطير كتبه الرصافي وهو بكامل وعيه، وطرح رؤيته الصريحة للمجتمع العراقي، وقدّم آراء نقدية قاسية ضدّ العراقيين قبل أكثر من ثمانين عاماً في قراءة له سجّلها في مقال مطّول ضمن آرائه ومقالاته التي جمعت بعد رحيله من قبل أحد أصدقائه ومريديه هو سعيد البدري صاحب جريدة ” المبدأ ” والذي لازم الرصافي في سنواته الأخيرة ، ففي مقالٍ مهمّ جدّاً للرصافي نشر في كتابه الموسوم: آراء الرصافي في السياسة والاجتماع والدين ، جمع وترتيب : سعيد البدري ، وقدّم الكتاب: خاشع الراوي، في طبعته الأولى ببغداد مطبعة المعارف، 1941، اذ جاء على الصفحتين 11- 12 النص التالي الذي اقتطعته من مقال طويل ينتقد فيه المجتمع العراقي نقداً مرّاً وقاسياً ، وأطال في نقده العشائر العراقية وسلوكياتها المفجعة من تجاوزات وأكل الحقوق وقطع الطرق وانعدام الأمانة والغدر وسحق المرأة التي يعتبرونها حمارا أو بقرة حلوب ويساومون على بيعها وعادات مخزية لا تعدّ ولا تحصى .. الخ من الموبقات والمنكرات.
ثانياً: النص الذي اخترته لكم :
لكن دعونا نقرأ معاً النص التالي الذي لم يتجرّأ أي شخص على قولهِ محرّراً في كتاب نشر قبل أكثر من ثمانين عاماً . قال الرصافي : ” يقال أن أهل العراق اليوم لا يزيدون عن خمسة ملايين ، ومهما كان عددهم ، فهم ممسوخون في السجايا والأخلاق . اذا نظرت الى سوادهم قلت متعجبّاً: ما هذه الأوباش؟ واذا نظرتَ الى أخلاقهم ، قلت متحيّرا : ما هذه الأحناش؟ بعدت شقة ما بين الباطن منهم والظاهر ، نراهم مبتسمين وهم محتربون، ومقتربين وهم مبتعدون كما قال الله تعالى: ” تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ” يزعمون أنهم يدينون بالإسلام، وليس عندهم منه غير اسمهِ، وتراهم مع ذلك يرفلون منه في أثواب الرياء، أيمانهم متتابعة، يسردونها لك سرداً وهم فيها كاذبون، وكأنّ الكذب عندهم مباح، فهم لا يصدقونك حتى في ردّ السلام .وكيف يدينون بالإسلام وأنت تراهم من عاداتهم المنكرة وتقاليدهم المستهجنة يتخبّطون في حمأة نتنة من همجيتهم التي أعادوا بها الجاهلية الجهلاء على أشنع وجه وأفظعه .. ” الخ .
ثالثاً: هل هذا هو الشعب (العظيم) الذي خاطبهم به الملوك والرؤساء ؟
يبدو واضحاً أن الرصافي كان يشعر بالتعاسة في تعامله مع بني جلدته ، أو حتى في عيشه بينهم ، اذ تمثّلت أمامه فوارق وتمايزات فيما بين العراقيين فضلاً عن كشفه تناقضات لا حصر لها ناهيكم عن كشفه للأقنعة التي يمارس من تحتها أسوأ التصرفات واتباع السلوكيات الموروثة . ولكنه كان قاسيا ومتجنّيا بهذا التعميم ، فليس كل الناس بمثل هذه المستويات الوضيعة ، ولا يمكن لمن يمتلك التوازن والموضوعية أن يطلق الأحكام عموماً بمثل هذه اللغة المشحونة بالسلبيات مهما بلغت صراحته .. ومن التجّني تجاهل الايجابيات في مجتمع كان أفضل بكثير من اليوم بمدنه الجميلة ونواديه وشوارعه ومدارسه واسواقه وعلاقات الناس فيه بدءا بالجيرة والتعايش في السراء والضراء ، وخصوصاً في المدن .. صحيح، كانت هناك فوارق طبقية وتمايزات اجتماعية وثقافية ومعاناة وفقر وتهميش وتباعدات بين الريف والمدينة وترسبّات موروثة وعادات سقيمة وتقاليد رثّة، ولكن عّمت في المجتمع المنظمات الخيرية والصداقات العميقة مقارنة بما حل من فواجع في العقود الأخيرة من القرن العشرين عندما حلّت الاندماجات وتبدلّت السلطات وانتهكت العلاقات في أزمنة لاحقة بعد رحيل الرصافي بعقود من السنين وقد تفاقمت روح الكراهية والجهويات والانقسامات للأسف الشديد. السؤال الآخر : لماذا لم يتطّرق علماء الاجتماع من العراقيين لمعالجة هذا ” النص ” الرصافي ؟
رابعاً: هذه ” الإشكالية ” .. ما الذي نستفيد منها ؟
أطرح عليكم جميعاً أيها الأعزاء هذا ” النص” ، وأنا واثق أن العراقيين سيختلفون في تقييمه سراً أم علناً ، فهناك من سيؤيد الرصافي في الذي قاله، وهناك من سيعارض الرجل في الذي ذهب عليه ويشتمه .. وهناك من سيبقى حيادياً وكأنه ليس عضواً في هذا المجتمع ، فالاحكام لا تخص مجرد فرد معين ، بل تجتاح المجتمع بشكل كامل .. ولا أخفي عليكم بأن ثمّة مسردات كتبها الرصافي عن بعض الأساليب التي تصيب نماذجها المسيئة أي عراقي بالخجل .. وأعتقد بأنه كان صريحاً وأميناً وجريئاً في نقدها وكشف الأستار عنها وسنقف عندها لاحقاً في نقدات ومكاشفات أخرى
وعندما طرحت هذا ” النص” على طاولة نقاش ، وكنت بين صديقين عراقيين من كبار السن ، فاختلفا في رأيهما ، اذ اهتاج الأول ضدّ الرصافي ووصفه بأسوأ الصفات كون العراقيين ملائكة بمنتهى الشفافية وأولاد حمولة وشعب عانى كثيراً ، ولكن الثاني قال بصواب رأي الرصافي وان العراقيين “ما تصير الهم جارة” فهم متقلّبون ومتلونون وختم قوله فيهم بصدق ما قاله الامام علي (ع) في حقهم قبل مئات السنين !


