هناك من أرجع علة الصراع بين ملوك العراق الحديث ورجال الدين الشيعة إلى (تمذهب الدولة). ولعل أبرز من مثل هذا الاتجاه، كان (حسن العلوي) في كتابه (الشيعة والدولة القومية في العراق 1914 – 1990). وكذلك (عبد الخالق حسين) في كتابه (الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق). ويبدو أن هذا التفسير اعتمد على ندرة العناصر الشيعية في المناصب الحكومية الرفيعة في بداية تولي فيصل الأول عرش العراق.
غياب التوجه الطائفي الرسمي
ويمكن تفنيد تلك التفسيرات بما يأتي:
أ – لم يكن هذا التوجه وارداً في سياسة ملوك العراق الثلاثة لا قانوناً ولا عرفاً ولا فكراً. بل كان الملك فيصل الأول ينظر الى الشيعة بعين الاحترام المقرون بشيءٍ من الحذر والتحفظ، بحكم قدرة رجال الدين الشيعة على تحريكهم. كما أن ملوك العراق الثلاثة، لم يكونوا من رموز السنة المذهبية المتشددة. بل أن سيرتهم مع السنة في العراق كانت مشابهة لسيرة شاه إيران مع التشيع.
كما أن فيصل حاول زيادة وجود الشيعة في جميع أنحاء إدارته. وأنه كثيراً ما زار العتبات المقدسة في النجف وكربلاء والكاظمية من أجل الالتقاء برجالات الشيعة العراقيين، والوقوف على مطالبهم، والتعرف على مشاكلهم.
ندرة المؤهلين الشيعة
ب – أما اتخاذ قضية ندرة العناصر الشيعية في المناصب الحكومية الرفيعة دليلاً على تمذهب الدولة، فهذا قول تنقصه الدقة، لأنه لا يمثل سياسة حكومية معتمدة، إنما هي حالة راجعة إلى أمرين أساسيين هما: ندرة المتعلمين الشيعة المؤهلين لتولي المناصب الحكومية الرفيعة حالت دون ذلك. وهذه الندرة كانت بسبب السياسات الطائفية العثمانية من جهة، والفتاوى الشيعية التي حرمت الدخول في المدارس العثمانية من جهة أخرى.
تمثيل شيعي معتبر في المناصب
ج – أضف إلى ذلك، أن التمثيل الشيعي في المنظومة الحكومية لم يكن بهذه الندرة المزعومة. إذ تولت أربع شخصيات شيعية منصب رئيس الوزراء (صالح جبر، ومحمد الصدر، وفاضل الجمالي الذي شكل وزارتين، وعبد الوهاب مرجان). كما تقلد (محمد الصدر) رئاسة مجلس الأعيان في أغلب دوراته. كما تولى (محمد رضا الشبيبي) رئاسة مجلس النواب أكثر من مرة. وتقلد وزارة الدفاع (صادق البصام)، ومحسن الحبيب، وتولى وزارة الداخلية (صالح جبر) ثلاث مرات. ويلاحظ أن ساعده الملك الأيمن كان (رستم حيدر) وهو شيعي من لبنان. وكان قد ساعد الملك فيصل على تجاوز قضية (أنيس النصولي)، الذي أثار المشاعر الطائفية في العراق في كتابه تاريخ الدولة الأموية المنشور عام 1926. كما قدم رستم حيدر الى الملك فيصل الأول مشورات عامة حول السياسات التي يجب أن يتبناها مع عالم شيعة العراق المشحون دينياً عموماً، ورجال الدين خصوصاً، رغم أنه كان قومياً علمانياً. وتكاد أن تكون وزارة المعارف حكراً على الشيعة. ومن الجدير بالذكر، أن اعتماد الملك فيصل الأول على نخبة الضباط الشريفيين والعرب المدنيين لم يكن قائما على أساس التمييز الطائفي، إنما كان التولي قائم على الكفاءة والثقافة والتنوير.
غياب احتجاجات طائفية فعلية
د – ومما يفند نظرية تمذهب الدولة، أنه لم تبدر من رجال الدين الشيعة أي احتجاجات على ما يسمى ب (تمذهب الدولة) طوال العهد الملكي، باستثناء ما ورد في (وثيقة النجف) التي أصدرها الشيخ (محمد حسين كاشف الغطاء) في منتصف الثلاثينات. وأن محاور القضايا التي كانوا يدورون حولها، إنما كانت قضايا وطنية ذات علاقة باستقلال العراق وحفظ سيادته.


