بغض النظر عما يقال عن أسباب قيام إسرائيل من وجهات نظر متباينة ، بيد أن العوامل الاساسية التي استوجبت نشوئها لا تتعدى أمرين أساسيين هما :
- العامل الديني الذي أفضى إلى مصالحة تاريخية بين المسيحية و اليهودية من جراء ثورة الاصلاح الديني البروتستانية التي قادها الراهب مارتن لوثر عام 1517 م .
- العامل السياسي الذي أفضى إلى عملية مزدوجة ، الأولى التخلص من يهود أوربا ، و الثانية لتكون إسرائيل قلعة متقدمة للغرب في الشرق الأوسط .
و من هذه المدخلات ، أنشأت إسرائيل في قلب الشرق الأوسط لتحطم أي محاولة تحررية للوحدة العربية .
ترسيخ الكيان بالدعم الدولي
و قد نجحت إسرائيل في ترسيخ وجودها عن طريق ما يأتي :
1.رسخت وجودها ، و دافعت عن نفسها عن طريق نظرية الإعتمادية الدولية في سياستها الخارجية ( بريطانيا ثم الولايات المتحدة الأمريكية)
2.ركزت في وسائل الإعلام على مظلومية اليهود و المخاطر التي تحدق بهم من جراء العداء العربي .
3.ركزت على أنها كيان محب للسلام ، و يقبل بأي مبادرة سلام مع العرب . لذلك رفعت شعار ( الأرض مقابل السلام ) .
4.ركزت في أذهان الرأي العام الغربي واقعة الهلوكوست و تقديسها كدلالة على مظلومية اليهود .
و قد بقي الوضع على هذا المنوال إلى أن جاءت عملية طوفان الأقصى التي مثلت خروجا عن الدائرة المفرغة من المفاوضات و الاتفاقات و التسويات التي إستمرت أكثر من نصف قرن بدون أي جدوى ، لتؤسس واقعا جديدا لم تعد فيه إسرائيل صاحبة القوة القاهرة ، و لم تعد تمثل المظلومية التي رددتها قبل 50 عاما ، و لم تعد تحظى بالتعاطف الغربي التقليدي .
طوفان الاقصى يغير المعادلة
فبعد طوفان الأقصى ، ظهرت إسرائيل بمظهر الجبابرة، و أخذت تسحق اطفال فلسطين ، و تهدم أركان بنيانها بعدوانية غير مسبوقة امتدت الى بلدان عربية و إسلامية متعددة .
إن هذه التطورات أفضت الى تحولات جوهرية ، قد تفضي إلى أفول إسرائيل أو تراجع مركزها . و لعل أهم هذه التحولات ما يأتي :
1.بسبب عمليات الإبادة الجماعية و حرب التجويع ضد سكان غزة ، فقدت إسرائيل التعاطف الغربي بشكل واضح
2.فقدت إسرائيل دورها في الإستراتيجية الغربية و الأمريكية . إذ لم يعد الغرب بحاجة اليها بعد تراجع فكرة الوحدة العربية، و تنامي العلاقات العربية مع الغرب .
3.سياسة الذراع الطويلة التي نفذتها إسرائيل ضد البلدان العربية و الإسلامية أظهرتها ككيان خارج على القانون الدولي.
و هناك مؤشرات تدل على أفول إسرائيل منها :
1.عدم قدرة إسرائيل من تحقيق أهدافها في غزة رغم أنها تقاتل تنظيما و ليس دولة . و هذا يدل على أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تمكنهم من ذلك .
2.خسارة إسرائيل للغرب الذي كشفت عنه أنماط التصويت الغربي على إعلان نيويورك 2025 ، الأمر الذي جعل إسرائيل تسير على قدم واحدة . بل أن الغرب بدأ يشعر بأن إسرائيل أصبحت تمثل عبء عليها .
3.كما أن هناك تحولات جوهرية غير مرئية بيد أنها ملموسة في السياسة الامريكية إزاء إسرائيل منها :
– أنها تركت إسرائيل تضرب من إيران بالصواريخ فرط صوتية من أجل تقليم أظافرها .
2.أنها لم تمكن إسرائيل من الإنتصار في غزة و اليمن و إيران.
3.أنها لم تمارس أي ضغوطات على حلفائها من أجل عدم التصويت على إعلان نيويورك في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2025 . و ذلك من أجل تحجيم إسرائيل التي أصبحت عبء عليها .
4.أنها سمحت لإسرائيل بضرب دولة قطر رغم أنها حليفة مهمة للولايات المتحدة الأمريكية. و الراجح أن هذه الخطوة فد تكون بمثابة فخ وقعت فيه إسرائيل على غرار ما حدث مع العراق عندما اجتاح الكويت بموافقة ضمنية أمريكية.
و على ضوء هذه التحولات يرجح أن مستقبل إسرائيل سوف يتراوح بين إحتمالين أساسيين هما :
1.أن إعلان نيويورك و التصويت عليه في الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 142 دولة قد يفضي إلى حل الدولتين ، و الذي سترجع إسرائيل بموجبه إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لسنة 1947 و الذي إعطى لليهود 56 % من أراضي فلسطين التاريخية، في مقابل دولة عربية منحت 44 % منها بما فيها القدس الشرقية. و بذلك ستكون دولة هامشية تستمد وجودها من رعاية الغرب . إن هذه القناعة بنيت على أساس أن الولايات المتحدة حثت الغرب على التصويت على إعلان نيويورك في الجمعية العامة .
2.الإحتمال الآخر ، ربما تزول إسرائيل على المدى البعيد لأن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى خدماتها بعد أن تطورت علاقاتها مع الدول العربية المحورية . و قد يكون الأعتداء على قطر مدخلا إلى زوال إسرائيل على غرار زوال النظام العراقي السابق على أثر غزو الكويت .


