الأنهيــار الاقتصـــادي … أقاويــل أم حقائــق

الأنهيــار الاقتصـــادي ... أقاويــل أم حقائــق
الاقتصاد العراقي يواجه أزمات بنيوية مزمنة سببها الفساد والاعتماد المفرط على النفط وضعف الإدارة، ورغم مؤشرات العجز والدين والتضخم، إلا أن خطر الانهيار الشامل غير وشيك ويمكن تجاوزه بإصلاحات استراتيجية وإدارة رشيدة...

الاعتماد النفطي وتأثيراته

يفترض معدو دراسة (العـــراق – إعـــادة الإعمـــار والـــدور المستقبـــلي) الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في العام 2005، بأن دور العراق النفطي سيكون كفيلاً بتعافي #الاقتصاد_العراقي، وبنيت هذه الافتراضات على أساس وصول العراق إلى مستوى مقبول من الإنتاج والتصدير النفطي، وبعد ذلك استخدام المداخيل النفطية الدولارية في عملية استثمار في القطاعات الأخرى من أجل تعظيم الموارد غير النفطية.

لكن بالفعل ذلك لم يحصل، والأسباب كثيرة وأهمها؛ الإدارة السياسية للاقتصاد، والتي أفضت إلى بقاء الاقتصاد العراقي ريعياً، يعتمد تماماً على الموارد النفطية. ولحق بذلك ما هو أسوء؛ وهو تضخم #الموازنة التشغيلية التي تبتلع الإيرادات العامة، مما أدى إلى إحداث عملية تجميد مقصودة للقطاع الخاص، ويبدو أن إرادات سياسية منعت تحول القطاع الخاص إلى شريك حقيقي فعال للدولة، لعدم ثقة الطبقـــة السياسيـــة الحاكمـــة ولواحقها المتنفذة بالجهات التي تدير #القطاع_الخاص، واستمر انعدام الثقة لفترة طويلة جداً. في دراسة مركز الامارات تستنتج “فيرا دو لادو سيت” وهي مديرة أولى لبحوث الشرق الأوسط، ورئيسة فريق أوربا للغاز والطاقة في مؤسسة #كمبردج، بأن دولة متخلفة تنموياً كالعراق؛ أي توسع في زيادة انتاج النفط وتصديره فيها يجب أن يكون وثيق الصلة بالتقويم السياسي، وأنذاك كانت “فيرا” بوصفها خبيرة في العلاقات الدولية في شركة (تــوتــال فينـــا إلــف – Total Fina Elf) تتحدث عن طموحات مشروعة لوصول #العراق إلى (خمسة ملايين برميل يومياً بحلول عام 2010) لكن بشرط “الاستقرار السياسي السريع” لكن كسب السلام كان أصعب من نشوء الحرب. لقد كان عدم تمكن القوى السياسية من إقامة [دولـــة حقيقيـــة] في العراق بعد 2003 سبباً مباشراً لتدهور الاقتصاد العراقي، لقد قلنا ذلك أكثر من مرة، بل صار حديثاً مملاً للبعض ممن لا يفهم معنى تأسيس دولة المؤسسات الحديثة. وسنبقى نقول بأن دولة المؤسسات التي لديها رؤية استراتيجية لمتطلبات العراق الحقيقية والاستجابة لها هي #الحل_الثوري الوحيد لتقدم كل شيء في العراق إلى الأمام، بدلاً عن الرجوع المتوالي إلى الخلف الذي يتعرض له العراق.

التحديات السياسية والتنموية

لقد تنازل الكثير من العراقيين مبكراً عن دولة المواطنة والسيادة والرفاهية واكتفوا بالشعارات وإعلاء الرمزيات، وأحلوا المقولات الطائفية والايديولجية والمناطقية بدلاً عن التنمية والازدهار، وقسم كبير منهم مازال حتى هذه اللحظة مشغولا “بتوافه الأمور” على حساب عملية بناء الوطن التي لا تأتي إلا بلغة الأرقام والحسابات الدقيقة، ومع كل موجة انتخابية يستأنسون بالشحن الطائفي وينشغلون عن #البرامج_التنموية والمشاريع الوطنية التي تخدم مؤسسات الدولة، وتضع الاقتصاد كأولوية أولى فوق كل الاعتبارات الأخرى، وهذا ما يجعل الخبراء والمختصين والمشتغلين بالسياسة ممن لديهم مساس بالقضايا الاقتصادية المالية يحذرون باستمرار من انهيار #الاقتصاد_العراقي، أو على الأقل تضرره بالشكل الذي يجعل العراق محتاجا باستمرار للفـــواعـل الخـــارجيــة لتسنده حتى يتجاوز #الازمات الاقتصادية والمالية.

لغة الأرقام التالية، وبعض المقارنات الواضحة ستبين بأن هناك مشكلة في الاقتصاد العراقي، لكن هل هي بمستوى خطير أم لا، هذا يعتمد على صحـــة الـمعـلومـــات، وطبيعة المعالجات التي تقوم بها الجهات المعنية، وبغض النظر عما تخبئه الأيام من أحداث أو تطورات دراماتيكية؛ فإن العمل بثوابت الاقتصاد والخطط الإدارية الرصينة كفيلة بتجاوز على الأقل نصف التداعيات السلبية للأزمات الاقتصادية الاجتماعية المركبة. تشير التوقعات إلى أن مجموعة من الأرقام ستبدو مقلقة جداً، أذا بقيت على هذا النحو حتى نهاية العام الحالي، الذي سيشهد استحقاقاً مهماً وهو إجراء #الانتخابات_البرلمانية العامة، التي ستفرز معادلة سلطة جديدة، ومن هذه الأرقام ما يخص الإيرادات العامة، النفقات الشاملة، الدين الداخلي، الاحتياطي النقدي، موقع العراق في مؤشر الفساد العالمي، والجودة الائتمانية لتعلقها بتسهيل عملية الاقتراض الخارجي، بالإضافة إلى ملفات أخرى كمعدلات البطالة والفقر، والتشغيل في القطاعين العام الخاص. ولك أن تتصور إن كل هذه الملفات الحساسة تديرها #قوى_سياسية لا تتحلى بالنضج السياسي الكافي للانتقال من المرحلة الانتقالية المترهلة إلى مرحلة بناء الدولة القوية ومؤسساتها الحاكمة! تشير التقديرات بأن [الإيرادات العامة للدولة العراقية] ستكون حوالي 434 تريليون دينار للعام 2025، بينما تقدر [النفقات العامة] بــ 450 تريليون دينار، وفي هذه الحالة سيكون العجز 16 تريليون دينار، وقد يقال بأن هذا العجز تقديري (عجـــز مـخطـــط)، لكن معادلة أخرى ستجعل من هذا العجز حقيقيا، وهي معادلة ارتفاع #الدين_الداخلي، الذي سيرتفع في العام 2025 من 85 تريليون دينار إلى 90 تريليون دينار، والاضطرار إلى الاقتراض الداخلي يعني بالضرورة أن هناك عجزاً مالياً حقيقياً، وإلا لما لجأت الحكومة إلى #الاقتراض وسحب مبالغ الأمــانـات الضــريبيـــة قبل الموعد القانوني للتحاسب الضريبي مع الشركات، وكذلك سحب أموال #وزارة_المالية التي تشغلها لدى مصرفي الرشيد والرافدين لتغطية جزء من النفقات في الموازنة المالية العامة، ويتعزز العجز إذا تم اللجوء للاقتراض الخارجي، الذي لن يكون سهلاً في ظل انخفاض موقع العراق في مؤشر الفـــSـــاد، والذي يحتل حالياً المركز 140 عالمياً، وهذا يعني عدم مجاراة الحكومة للاستحقاقات التي تضمنها البرنامج الحكومي من جهة، وعدم السيطرة على الفـــSـــاد بشكل يحد من هدر المال العام من جهة أخرى. إن انخفاض الاحتياطي النقدي لدى #البنك_المركزي في العام 2025 من 128 تريليون دينار إلى 120 تريليون دينار سيؤدى إلى انخفاض الجدارة الائتمانية، وهذه الأخيرة ستستتبعها بالضرورة صعوبة في عملية الاقتراض الخارجي، الذي سيفتح شهية الدول الكبرى والمؤسسات الدولية للمطالبة بإصلاحات داخلية تتركز على خفض #الإنفاق، وأهم أبواب خفض الانفاق إيـقـــاف التعيينــــات، ورفع #الدعم_الحكومي عن الخدمات التي تقدم للمواطنين كالمشتقات النفطية، وربما حتى زيادة عمولات شركات #الدفع_الالكتروني.

سيبلغ عدد الموظفين في القطاعات الحكومية خمسة ملايين موظف، ومعدل #البطالة سيكون عند 15% تقريباً، ويقارب معدل الفقر 18%، وهذه الأرقام تعزز فكرة رفع النفقات وليس خفضها نزولاً عند الإصلاحات المطلوبة، لذلك سيتم اللجوء لما يسمى تعسفاً (تعظيـــم المـــوارد غيـــر النفطيـــة) ومصادر هذه الموارد هي الأموال المستحصلة من الكمارك والضرائب والرسوم والمخالفات، وبطبيعة الحال هذه الموارد ليست بالفعل تعظيماً للموارد غير النفطية، لأن السياق الاقتصادي الحقيقي الذي ينمي الموارد غير النفطية هو وجود منتجات محلية زراعية وصناعية تقلل من الريعية المزمنة، وتحد من استنزاف العملة الصعبة (الدولار) وهي بطبيعة الحال غير موجودة حالياً بالمستوى الذي يمكن الاعتماد عليه كرافد أساسي مستدام من روافد الموازنة المالية، ناهيك عن أن تصاعد فرض المزيد من #الضرائب والرسوم والغرامات سيتسبب بمشاكل كبيرة للحكومة تتشكل على شكل شكاوى اجتماعية مستدامة، وبالأساس ترتكز فلسفة جمع الأموال عن طريق رفع رسوم المخالفات والغرامات كالمخالفات المرورية والمعاملات المهنية على إصلاح المجتمع وليس الاستمرار بتغريمه ومعاقبته، فإذا كثرت الأموال المستحصلة من هذه المخالفات فإن ذلك يعني خللاً كبيراً في ثقافة المواطنين، وعجز عن التحول لمسار قانوني يقوي مؤسسات الدولة.

من المعلوم والمقطوع بيقينيته وبديهيته هو أن الإنفاق المالي متصاعد أو على الأقل ثابت على ماهو عليه من التضخم، وأي عملية تخفيض منه تستدعي قرارات وإجراءات #تشريعية و #تنفيذية، وهذا ما ليس في نية الحكومة القيام به على اعتاب الانتخابات البرلمانية، بينما الإيرادات معرضة للانخفاض بشكل كبير مع أي حالة تذبذب أو هوي في أسعار النفط، ولذلك يجب حساب هذه الإشكالية بطريقة مهنية وموضوعية بعيداً عن التـــدخـــلات السيــاسيـــة. ورغم كل ما قلناه، من مشاكل، ولربما حتى أزمات تكتنف الاقتصاد العراقي، إلا أن شبح الانهيار في الاقتصاد بعيد جداً عن الوضع العراقي، ومن الممكن معالجة الوضع بالمزيد من الخطط البناءة، وفي هذا السياق من المستبعد أيضاً الاضرار برواتب #الموظفين والمتقاعدين والحماية الاجتماعية خلال العام 2025، لكن #مشكلة_بنيوية في قلب نظام الدولة ستبقى تعتمل كالطفيلي الذي يتحين الفرص، وبمجرد وجود تراكم في الضعف على حساب نقاط القوة هذا يعني نشوء أزمات تنبئ بالانهيار الكامل للاقتصاد العراقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *